الصفحة 3523 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 276

إلى الهدى وبين ضلاله واحتج عليه أبلغ احتجاج، وأرشقه برفق وحسن أدب حيث لم يصرّح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح ويأبى الركون إليه فضلا عن عبادته التي هي غاية التعظيم، ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التامّ والإنعام العام وهو الخالق الرازق المحيي المميت المعاقب المثيب. ونبه على أنّ العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح والشيء لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على النفع والضرّ، ولكن كان ممكنا لاستنكف العقل القويم عن عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة ولنبين لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن محظوظا من العلم الإلهي مستقلا بالنظر السويّ فقال:

يا أبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك صراطا سويا ولم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق بل المقالة، وأما ما قيل: إنّ مراده أنه متعلق بصدّيقا الموصوف بنبيا أو أنه متعلق بصديقا ونبيا على البدل فلا يخفى ما فيه من الخلل، وقوله: لا يقال يا أبتي لما فيه من الجمع بين العوض والمعوّض وهو لا يجوز إلا شذوذا كقوله:

يا أبتي أرّقني القذان

ولما ورد عليه شبهة الجمع في يا أبتا وهو جائز دفعه بأنه جمع بين عوضين كما يجمع صاحب الجبيرة بين المسح والتيمم وهما عوضان عن الغسل، وقيل: المجموع فيه عوض وقيل: الألف للإشباع في مثله وهي علل نحوية بعد الوقوع، وقوله: إنما يذكر للاستعطاف أي لطلب العطف والشفقة لا لمحض النداء، وقوله: فيعرف بالنصب في جواب النفي، وشيئا في النظم يحتمل النصب على المصدر أو المفعولية وعبارة المصنف في تفسيره تحتملهما، وقيل إنها ظاهرة في الأوّل. قوله: (دعاه إلى الهدى وبين ضلاله الخ) جعله دعوة لأنّ إنكار عبادة ما لا ينفع في قوّة الأمر بعبادة غيره، وهو إن لم يكن صريحا فهو أخوه وتبيين الضلالة بعبادة ما لا يسمع ولا يبصر، والاحتجاج عليه إذ العبادة لا تصح لمثل هذه الجمادات وأرشقه بالشين المعجمة والقاف بمعنى ألطفه، وقوله: حيث الخ تعليل لما قبله من الأبلغية والألطفية، وطلب العلة بقوله: لم واستخفاف العقل لعدم إدراكه، وفائدته والركون الميل، وقوله: ولا تحق الخ بيان للواقع لا أنه من النظم وكذا ما بعده، وقوله: ونبه أي بسؤاله المذكور، وقوله: ثم دعاه شروع في تفسير الآية الآتية.

قوله: (ولم يسم أباه) من الوسم وهو العلامة والمراد لم يصفه وهو مجاز مشهور بهذا المعنى، وإنما لم يصفه مع أنه كذلك تأدّبا ورفقا ولم يدّع العلم الفائق تواضعا ولأنه أقرب إلى الإجابة وذلك بقوله: جاءني من العلم أي بعضه، وقوله: بل جعل نفسه كرفيق الخ، يشير إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت