الصفحة 3524 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 277

جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر فإنه في الحقيقة عبادة للشيطان من حيث إنه الآمر به فقال:

يا أبت لا تعبد الشيطان واستهجن ذلك وبين وجه الضر فيه بأنّ الشيطان مستعص على ربك المولي للنعم كلها بقوله: إن الشيطان كان للرحمن عصيا ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص وكل عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه، ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجرّ إليه فقال:

يا أبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قرينا في اللعن أو العذاب تليه ويليك وثابتا في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان اللّه أكبر من الثواب وذكر الخوف والمس وتنكير العذاب إما للمجاملة أو لخفاء العاقبة.

أنّ في النظم تشبيها تمثيليا، وقوله: ثم ثبطه الخ توطئة لتفسير ما بعده، وقوله: المولى للنعم كلها مأخوذ من قوله للرحمن، والمطاوع للعاصي عاص يعني إذا طاوعه في المعاصي، وقوله:

حقيق الخ بيان لمناسبة ذكر الرحمن هنا فإنه قد يتوهم أنّ المناسب ما يدل على غضب ونحوه، وقوله: وما يجر إليه الضمير المستتر لسوء العاقبة والمجرور للموصول وفي نسخة ما يجره والبارز المنصوب لأبيه أي الذي يجر سوء العاقبة أباه إليه ويجوز عود الضمير المستتر لما والمنصوب لسوء العاقبة وعكسه والمجرور لأبيه. قوله: (قرينا) تفسير لقوله: وليا إشارة إلى أنّ المفهوم من الآية ترتب الولاية على مس العذاب والأمر بالعكس فأشار إلى دفعه بأن فسر الولاية بالمقارنة فيما ذكر أو بالثبات المذكور وقيل إنه من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وقوله: تليه ويليك إشارة إلى وجه دلالته على ذلك لأنه من الولي وهو القرب وكل من المتقاربين قريب من صاحبه فلا تجوز فيه، وقوله: أو ثابتا في موالاته الثبوت يفهم من المضارع الدال على الاستمرار التجدّدي ومن صيغة الصفة المشبهة ولأنه كان وليا له قبل ذلك وهو إشارة إلى تفسير آخر له على أنه من الموالاة وهي المتابعة والمصادقة، فإن قلت كيف يتأتى تفسيره بالثبات على موالاته مع أنّ قوله تعالى: الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [سورة الزخرف، الآية: 67] قلت قيل إن أريد بالعذاب عذاب الدنيا فلا إشكال وإن أريد عذاب الآخرة فالمراد الثبات على حكم تلك الموالاة وبقاء آثارها من سخط اللّه فلا منافاة كما توهم والجواب هو الثاني كما يدل عليه قوله في الكشاف دخوله في جملة أشياعه وأوليائه لأنّ الأوّل لا مساس له بما نحن فيه ولا يلائم بقية كلام المصنف كما ستعرفه. قوله:

(كما أنّ رضوان اللّه أكبر من الثواب) وإن عظم في نفسه لقوله تعالى: وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر [سورة التوبة، الآية: 72] فلزم بطريق التعكيس أن يكون سخط اللّه أكبر من العذاب لأنه منشأ عذابه كما أنّ الرضوان منشأ الفوز بضده، ولذا رتب عليه وبهذا تعلم أنّ المراد بموالاته ودخوله في أوليائه كونه مغضوبا عليه غير مرضيّ وأنّ هذا مبنيّ على التفسير الثاني لا على أيّ معنى كان للولاية كما قيل. قوله: (وذكر الخوف والمس الخ) أما الأوّل فلأنّ الخوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت