الصفحة 3525 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 278

كما قاله الراغب: توقع المكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة فهو غير مقطوع فيه بما يخاف فلم يذكر له أنه جازم بمس العذاب له مجاملة له أي معاملة جميلة في ملاقاته لأنّ ذلك أجمل من القطع بعذابه أو لإظهار أنّ عاقبة أمره وخيمة فيجوز أن يعذب وأن لا يعذب وأمّا الثاني: وهو ذكر المس المشعر بالتقليل فأجمل من ذكر كثرة عذابه ولأنّ عاقبة أمره منكشفة له فاقتصر منها على الأقل لأنه المتيقن فيه فإنه إذا وقع عذاب فإما أن يعذب عذابا قليلا أو كثيرا وعلى الثاني فهو متضمن له تضمن جمل الأعداد للآحاد، وكذا تنكير العذاب إذا كان للتقليل، فسقط ما قيل إنّ خفاء العاقبة لا يصح أن يكون علة لذكر المس وتنكير العذاب، وأمّا ما قيل من أنّ قصد التقليل من عبارة المس لا يناسب المقام ولا يساعده الكلام لأنّ المقام مقام تخويف فلا يناسبه التخفيف ولأنّ المس مما يقصد به المبالغة في الإصابة كما في قوله: وقد مسني الكبر لأنّ المس اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر به الحاسة مع أنه مرّ ما يخالفه في قوله: لن تمسنا النار في سورة البقرة، فرد بأنّ المقام مقام إظهار الشفقة ورعاية الأدب وحسن المعاملة فيناسب التقليل والمس مبنىء عن قلة الإصابة كما صرح به الأئمة الكثير والإصابة ولا ينافيه قوله:

لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم فإنّ عظم العذاب لا يستلزم شدّة الإصابة كما قيل، وقوله:

وقد مسني الكبر مع الخطا في التلاوة إذ هي على أن مسني الكبر لا ينافيه إذ الكلام فيما إذا لم يوجد في المقام قرينة حالية أو مقالية تدل على أنّ المراد به مطلق الإصابة وفي الآية الأولى وصفه بالعظم قرينة مقالية، وفي الثانية كونه في سن الشيخوخة قرينة حالية، ثم إنّ الاتصال بالبشرة المذكورة لا يقتضي المبالغة في الإصابة لأن القوّة اللامسة تتأثر بأدنى إصابة فليس فيه نسيان لما قدّمه في آية البقرة لأنّ دعوى اليهود ثمّ قلة الإصابة كما وكيفا، والحاصل أنّ هنا مقامين يمكن اعتبار كل منهما مقام التخويف ومقام إظهار مزيد الشفقة وأدب المعاملة ومقتضى الأوّل حمل التنكير على التعظيم والمس على مطلق الإصابة ومقتضى الثاني خلافه ولذا قال في المطوّل مما يحتمل التعظيم والتقليل قوله: إني أخاف أن يمسك عذاب الخ أي عذاب هائل أو أيّ شيء منه ولا دلالة للفظ المس وإضافة العذاب إلى الرحمن على ترجيح الثاني كما ذكره بعضهم لقوله تعالى: لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم [سورة النور، الآية: 14] ولأنّ العقوبة من الكريم الحليم أشدّ انته، واعترف في بحث الشرط أن لفظ المس ينبئ عن قلة الإصابة وترجيح المصنف اعتبار المقام الثاني لكون بناء الكلام هنا على مراعاته فتدبر (أقول) كون المس بل الإصابة مشعرة بالقلة مما لا شبهة فيه لكنها لكونها مقدّمة لما بعدها متقدّمة عليه تقدّم الذوق على الأكل وتقدّم مس النار على إحراقها وإذابتها وإفنائها لما تحرقه تكون غير مقصودة بالذات والمقصود ما بعدها فدل على وقوع أمر عظيم بعدها ودلالتها على الكثرة والعظمة باعتبار ما يلزمها ويتبعها لا بالنظر إليها في نفسها فيصح وصفها بكل منهما بل بهما باعتبارين كما أشاروا إليه فلا منافاة بين الآيات ولا دلالة في قوله على أن مسني الكبر على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت