عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 279
ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من جناياته لارتقاء همته في الربانية أو لأنه ملاكها أو لأنه من حيث إنه نتيجة معاداته لآدم وذريته منبه عليها
قال أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بنيّ وأخره وقدّم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضرب من أحدهما بل إبقاؤها على ظاهرها أولى لما فيه من التجلد وعدم التضجر وكون المقام مقام التخفيف لا التخويف مع تصديره بقوله: أخاف غير مسلم بل هو مما روعي فيه مقتضى المقامين وهذا هو المناسب لما مرّ في تفسير قوله: فتكون للشيطان وليا، ثم إنّ المدقق في الكشف ذكر أنّ الحمل على التفخيم في عذاب كما جوّزه في المفتاح يأباه ظاهر المقام لأنه مقام حسن أدبه معه أو أنه مما قيل من الرحمن لقوله: أوّلا، كان للرحمن عصيا وللدلالة على أنه ليس على وجه الانتقام بل ذلك أيضا رحمة من اللّه على عباده وتنبيه على سبق الرحمة على الغضب وأنّ الرحمانية لا تنافي العقاب بل الرحيمية على ما عليه الصوفية رضي اللّه عنهم، وقيل: إنّ ذكره الرحمن للتحسر وأنه على حدّ قول المتنبي:
وما ينفع الحرمان من كف حازم ... كما ينفع الحرمان من عند رازق ...
قوله: (ولعل اقتصاره) في النظم على عصيان الشيطان في قوله: إنّ الشيطان كان للرحمن عصيا، وقوله: من جناياته وفي نسخة جنايتيه بالتثنية والجناية الأخرى معاداته لآدم عليه الصلاة والسّلام، وذريته وهو تلميح إلى ما في الآيات الأخر ومن تبعيضة أي وهو بعض جناياته وإنما جمع على ما في النسخة المشهورة مع أنّ جنايته المذكورة عصيان الرحمن بالاستكبار وعدم امتثال الأمر والمتروكة المعاداة كما صرح به في الكشاف لاشتمال كل منهما على أنواع من القبائح والمعاصي والوساوس التي لا تتناهى، وقوله: لارتقاء همته في الربانية أي لعلو همته في أمور الألوهية حيث لم ينزل لذكر غيرها ولم يعدّها جناية معها فلا جرم عنده أعظم من عصيان اللّه بل لا جرم غيره، وقوله: أو لأنه أي العصيان نتيجة معاداته لآدم عليه الصلاة والسّلام أي لأنه لما عاداه لعدم المناسبة الترابية استكبر عن السجود له فكان عاصيا للّه كافرا فاقتصر على ما ذكره من النتيجة لأنها الأهم ولأنها تنبه على سببها ومقدّماتها فتعرف منها مع أنّ المعاداة إنما عدّت جناية لما فيها من معصية اللّه والحمل عليها فهي مندرجة أو كالمندرجة فيه فتدبر. قوله: (قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد) كما مرّ تفصيله، والفظاظة سوء الخلق وكراهته، وغلظة العناد أي الغلظة الناشئة من العناد أو العناد الغليظ، وجعل مناداته باسمه دليلا على ذلك وهو ظاهر، ويا بنيّ بالتصغير، وأخره أي أخر اللفظ الدال عليه وهو أنت لعدم الاعتناء به والالتفات إليه بعدما تلطف به غاية التلطف وهذا مما يدل على فظاظته وغلظته والقول بأنه لو قدم لكان أشنع وأوقع في الدلالة على ذلك مكابرة. قوله: (وقدّم الخبر على المبتدأ الخ) خالف أبا البقاء وابن مالك ممن جعل أنت فاعل الصفة لاعتمادها على حرف الاستفهام وذلك لئلا يلزم الفصل بين راغب ومعموله وهو عن آلهتني بأجنبيّ وهو المبتدأ لأنه