عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 280
التعجب كأنها مما لا يرغب عنها عاقل، ثم هدده فقال: لئن لم تنته عن مقالك فيها أو الرغبة عنها لأرجمنك بلساني يعني الشتم والذم أو بالحجارة حتى تموت أو تبعد عني واهجرنى عطف على ما دل عليه لأرجمنك أي فاحذرني واهجرني مليا زمانا طويلا من الملاوة أو مليا بالذهاب عني
قال سلام عليك توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة أي لا أصيبك بمكروه، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك ولكن سأستغفر لك ربى لعله يوفقك غير معمول له أو يحتاج إلى تقدير عامل آخر له وهو خلاف الأصل لأنه قيل عليه أنّ المبتدأ ليس أجنبيا من كل وجه لا سيما والمفصول ظرف متوسع فيه والمقدم في نية التأخير والبليغ يلتفت لفت المعنى بعد أن كان لما يرتكبه وجه مساغ، وهذا الأسلوب قريب من ترجيح الاستحسان على القياس لقوّة أثره، وإنّ زيادة الإنكار إنما تنشأ من تقديم الخبر كأنه قيل:
أراغب أنت عنها لا طالب لها راغب فيها منبها له على الخطأ في ذلك، ولو قيل: أترغب لم يكن من هذا الباب في شيء، فتدبر. قوله: (بلساني يعني) بالرجم الشتم على طريق الاستعارة، أو المراد الرمي بالحجارة فهو حقيقة، وقوله: حتى تموت الخ بيان للمقصود من الرجم، وقوله: عطف الخ يعني أنه لا يصح أو لا يحسن عطفه على ما قبله لتخالفهما خبرا وإنشاء وجواب القسم غير الاستعطافي لا يكون إنشاء، وقوله: لأرجمنك تهديد وتقريع فيدل على الأمر بالحذر وليست الفاء في قوله:
فاحذرني عاطفة حتى يعود المحذور
قوله: (زمانا طويلا) فهذا معناه من الملوين الليل والنهار من الملاوة بتثليث الميم الدهر فهو منصوب على الظرفية كقول مهلهل:
فبكت عليه المرسلات مليا
وهذا أحد الوجوه فيه، أو مليا بالذهاب عني يعني أنه مجاز من قولهم: مليّ أي غنيّ، والمراد سالما أو مطيقا قادرا على الهجر والبعد، وهذا تفسير ابن عباس وعداه بالباء لأنه من تمي بكذا إذ تمتع به كما ذكره الراغب وهو على هذا حال من فاعل اهجرني، وقيل:
المعنى هجرا مليا أي طويلا فهو منصوب على المصدرية. قوله: (توديع ومتاركة) السّلام أصل معناه السلامة من الآفات ويكون للدعاء بذلك عند الملاقاة وهو ظاهر، وعند المفارقة كما في قوله:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام ...
ومقابلة السيئة وهي الشقاق والتهديد بالحسنة وهي توديعة له ومتاركته لأنّ ترك اساءة للمسيء إحسان، وقوله: أو لا أصيبك بمكروه أي بأمر تكرهه لكفه عن لومه بالتعريض له بالجهل وغيره مما يؤذيه وعلى كل من الوجهين فهو من السلامة ولا يختص بالثاني، كما قيل:
ولما كان ذلك ليأسه منه وكان حينئذ مشعرا بعدم الدعاء له استدرك ذلك بقوله: ولكن. قوله: