عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 291
غائب عنهم أو وهم غائبون عنها أو وعدهم بإيمانهم بالغيب إنه إن اللّه كان وعده الذي هو الجنة مأتيا يأتيها أهلها الموعود لهم لا محالة، وقيل: هو من أتى إليه إحسانا أي مفعولا منجزا
لا يسمعون فيها لغوا فضول كلام إلا سلاما ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة أو إلا تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم على بعض على الاستثناء المنقطع أو على معنى أنّ التسليم إن كان لغوا فلا يسمعون لغوا سواه كقوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... ... بهنّ فلول من قراع الكتائب ...
في الكشاف من الاستدلال على العلمية بإبداله من الجنة فإنّ النكرة لا تبدل من المعرفة فإنه غير متفق عليه فقد جوّزه كثير من النحاة مطلقا، وبعضهم إذا كان في إبداله فائدة لا تستفاد من المبدل منه مع أنه لا تتعين البدلية لجواز نصبه على المدح كما ذكروه، واعلم أنّ العلم المنقول من المضاف والمضاف إليه كأبي هريرة تعتبر علميته وأحكامها كمنع الصرف في الجزء الثاني، كما في شروح المفصل والكتاب كما فصلناه في شرح الشفاء وقد غفل عنه بعض علماء المغرب. قوله: (أي وعدها إياهم الخ) يشير إلى أنّ عائد الموصوف محذوف وأنّ الباء إمّا للملابسة والجار والمجرور إمّا حال من العائد بمعنى غائبة أو من عباده بمعنى غائبين عنها، أو للسببية متعلقة بوعد أي وعدها بسبب تصديق الغيب والإيمان به والغيب على هذا بمعنى الغائب، وقوله: إنه أي اللّه ويجوز أن يكون ضمير الشان. قوله: (كان وعده الذي هو الجنة) فالوعد بمعنى الموعود أو أطلق عليها مبالغة وفسره بها لأنّ ما قبله يقتضيه، ولأنّ الإخبار عنه بمأتيا ظاهر لأنّ الجنة تؤتى كما تؤتى الأمكنة والمساكن، وقوله: لا محالة مأخوذ من التأكيد ومن التعبير عن المستقبل بالماضي المقتضي لتحقق وقوعه ولا دخل لاسم المفعول فيه. قوله: (وقيل هو من أتى إليه إحسانا) أي فعل به ما يعدّ إحسانا، وجميلا فمعناه على هذا مفعولا كما ذكره بقوله: أي مفعولا، والوعد بالمعنى المصدري وكون الوعد المصدري مفعولا لا طائل تحته إذ كل وعد بل كل فعل كذلك فلذا أشار إلى أنّ المراد من كونه مفعولا أنه منجز لأنّ فعل الوعد بعد صدوره أي إيجاده، إنما هو تنجيزه فمنجزا عطف بيان لمفعولا مفسر له. قوله: (ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة) أشار بلكن إلى أنه استثناء منقطع كما في الوجه الثاني، والسّلام بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص فهو مصدر بمعنى السلامة أريد به ما ذكر إمّا مبالغة أو بالتأويل المعروف فيه، وعلى ما بعده المراد به معناه المعروف وهو إمّا من الملائكة عليهم الصلاة والسّلام أو من بعضهم على بعض والاستثناء عليه منقطع أيضا لأنّ السّلام لا يعدّ لغوا إلا على الوجه الأخير ولكونه خلاف الظاهر استحق التأويل والتأخير. قوله: (أو على معنى إنّ التسليم الخ) فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم المذكور في البديع وهو يفيد نفي اللغوية بالطريق البرهاني الأقوى إلا أنّ ظاهر سياقه كالكشاف أنّ الاستثناء على هذا الوجه متصل، وقد قال المعرب: إنه بعيد وقد صرّح بعض النحاة بأنه من قبيل المنفصل لكن ما ذهب إليه الشيخان من الاتصال إنما هو على