الصفحة 3539 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 292

أو على أنّ معناه الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغو ظاهرا وإنما فائدته الإكرام ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة، وقيل: المراد دوام الرزق ودروره تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورّثه، والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التمليك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا تبطل بردّ وإسقاط، وقيل: يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم، وعن يعقوب نورّث بالتشديد وما نتنزل إلا بأمر ربك حكاية قول جبريل عليه الصلاة والسّلام حين استبطأه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه خمسة عشر يوما طريق الفرض والتقدير ولو لا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة، والبيت المذكور للنابغة من قصيدته المعروفة وأوّلها:

كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقسيه بطيء الكواكب ...

والفلول مصدر أو جمع فلّ وهو ما ينثلم به حدّ السيف والقراع الضرب. قوله: (أو على أنّ معناه الدعاء بالسلامة الخ) يعني أنّ السّلام المعروف دعاء بالسلامة من الآفات ولا آفة في الجنة فالدعاء بالسلامة منها لا فائدة فيه فيكون لغوا بحسب الظاهر ويصح فيه الاتصال من هذا الوجه، وإنما قال ظاهرا لأنّ هذا وإن كان معناه بحسب وضعه لكن المقصود منه الإكرام وإظهار التحابّ حتى لو ترك عدّ إهانة فلذا كان لائقا بأهل الجنة. قوله: (على عادة المتنعمين الخ) بيان لوجه تخصيص البكرة والعشية بأنه الوسط المحمود في التنعم فإنّ المرّة الواحدة في اليوم والليلة تسمى الوجبة وأكلها يوجب زهادة وما عداها رغبة في كثرة الأكل أو كناية عن الدوام بذكر الطرفين والدرور الدوام ومنه رزق دارّ أي لا ينقطع. قوله: (نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه) أشار بقوله: كما إلى أنّ فيه استعارة تبعية استعير الإيراث للإبقاء ويحتمل التمثيل، وقوله: والوراثة أقوى لفظ أي أقوى الألفاظ إشارة إلى اختيارها على غيرها مما يدلّ على بقائها كالبيع والهبة ونحوهما لأنها أقوى في الدلالة على المراد وقوّتها بما ذكر كما هو معروف في الكتب الفقهية، وقوله: أقوى لفظ من وصف الدال بصفة مدلوله لأنّ القوّة صفة معنى الوراثة كما يدلّ عليه قوله: من حيث الخ وإنما اختاره لأنه لا وراثة هنا وإنما المذكور لفظها المستعار لمعنى آخر فتأمّل. قوله: (وقيل يورث المتقون الخ) وهو استعارة أيضا وإنما مرّضه لأنه يدلّ على أنّ بعض الجنة موروث والنظم يدلّ على أنها كلها كذلك ولأنّ الإيراث ينبني على ملك سابق لا على فرضه مع أنه لا داعي للفرض هنا. قوله:

(حكاية قول جبريل عليه الصلاة والسّلام الخ) وهذا من عطف القصة على القصة فلا يقال إنّ العطف فيه حزازة لعدم التناسب، والمناسبة بين القصتين ما قيل إنه لما فرغ من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مثبتا له وعقبه بما أحدثه الخلف وذكر جزاءهم عقبه بحكاية نزول جبريل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت