الصفحة 3541 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 294

وما كان ربك نسيا تاركا لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ولم يكن ذلك عن ترك اللّه لك وتوديعه إياك، كما زعمت الكفرة، وإنما كان لحكمة رآها فيه، وقيل: أوّل الآية حكاية قول المتقين: حين يدخلون الجنة والمعنى وما ننزل الجنة إلا بأمر اللّه ولطفه وهو مالك الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله، وقوله: وما كان ربك نسيا تقرير من اللّه لقولهم أي وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين وما وعد لهم من الثواب عليها، وقوله:

رب السماوات والأرض وما بينهما بيان لامتناع النسيان عليه وهو خبر محذوف أو بدل من ربك فاعبده واصطبر لعبادته خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مرتب ذكر لأنه إذا أحاط ملكه وعلمه بكل شيء لا يمكن إقدامهم على ما لم يكن بأمره مما يوافق حكمه وحكمته.

قوله: (تاركا الخ) يحتمل أن يبقى النسيان على ظاهره بمعنى أنه تعالى لإحاطة علمه وملكه لا يطرأ عليه الغفلة والنسيان حتى يغفل عنك وعن الإيحاء إليك، وأن يكون مجازا عن الترك واختاره المصنف رحمه اللّه لأنّ الأوّل لا يجوز عليه تعالى فلا حاجة إلى نفيه عنه ولأنه هو الموافق لسبب النزول كما أشار إليه ولذا خالف الزمخشري رحمه اللّه في ترجيح الأوّل، وذلك إشارة إلى عدم النزول. قوله: (وقيل أوّل الآية حكاية قول المتقين الخ) القائل له اختاره ليناسب ما قبله ويظهر عطفه عليه، والتنزل هنا من النزول في المكان أي ما نحلها ونتخذها منازل كما أشار إليه بقوله: تنزل الجنة لكنه خلاف الظاهر، وأيضا مقتضاه بأمر ربنا لأنّ خطاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كما في الوجه الأوّل غير ظاهر إلا أن يكون حكاه اللّه على المعنى لأنّ ربهم وربه واحد ولو حكاه على لفظهم لقال ربنا وإنما حكى كذلك ليجعل تمهيدا لما بعده وكذا وما كان ربك نسيا إذ لم يقل ربهم ومرضه لأنه لا يوافق سبب النزول، وأمّا كون الخطاب من جماعة المتقين لواحد منهم فبعيد، وقوله: ولطفه إشارة إلى أنّ الأمر هنا أمر تكريم ولطف، كقولك: للمسافر انزل هنا. قوله: (وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين) إشارة إلى أنّ المنفي أصل النسيان لا زيادته حتى يقتضي ثبوت أصله وإنما المبالغة باعتبار كثرة من فرض تعلقه به كما في وما ربك بظلام للعبيد في أحد الوجوه، وقوله: بيان لامتناع النسيان لأنّ ربّ هذه المخلوقات العظيمة المدبر لأمرها والممسك لها في كل حال لا يمكن أن يجري عليه الغفلة والنسيان على ما مرّ في قوله:

لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض [سورة البقرة، الآية: 255] . قوله:

(وهو خبر محذوف أو بدل من ربك) في قوله: وما كان ربك نسيا وفي الكشاف بدل من ربك ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو ربّ السموات والأرض (فاعبده) كقوله:

وقائله خولان فانكح فتاتهم

وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون وما كان ربك نسيا من كلام المتقين وما بعده من كلام رب العزة انته وإنما لم يجز على البدل أن يكون من كلامهم لأنه لا يظهر إذ ذاك ترتب قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت