عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 303
ونذر الظالمين فيها جثيا منهارة بهم كما كانوا وهو دليل على أنّ المراد بالورود الجثوّ حواليها وأنّ المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد تجاثيهم وتبقى الفجرة فيها منهارة بهم على هيآتهم
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات مرتلات الألفاظ مبينات المعاني بنفسها أو ببيان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو واضحات الإعجاز قال الذين كفروا للذين آمنوا لأجلهم أو معهم أى اللّه فعبر به عن القلة، كقول كعب:
وقعهن الأرض تحليل
قال ابن هشام في شرح بانت سعاد اللهم إلا أن يقال إن قوله تعالى: وإن منكم إلا واردها [سورة مريم، الآية: 71] معطوف على ما أجيب به القسم في قوله: فو ربك لنحشرنهم الخ وهذا مراد من قال: إنّ الواو للقسم وفيه بعد وقال السبكيّ: هذا عجيب فإنّ القسم مقدّر في قوله: وإن منكم، ويدل عليه شيآن أحدهما قوله: كان على ربك حتما مقضيا قال الحسن وقتادة قسما واجبا، وروي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه، والثاني أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فهم منه القسم كما مرّ في الحديث، ولك أن تقول إنه لا تقدير فيه والمعنى ما قرّرناه كما مرّ، أو يقال:
الجملة معطوفة على جواب القسم أو حال، وحديث البعد غير مسموع لعدم تخلل الفاصل.
قوله: (وهو دليل على أنّ المراد بالورود الجثوّ الخ) وجه الدلالة أنه لما ذكر أنّ الجميع واردون لها ثم قسمهم إلى ناج وإلى متروك على حالة في الجثيّ علم أنّ مقابله جاث لكنه غير متروك على جثيه فجاء ما ذكر، وهو ظاهر والدليل هو قوله: ونذر الظالمين الخ، وقد بين أيضا بأنّ المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد نجاتهم وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين، والتركيب يدل على إنجاء المتقين من الورطة التي يبقى الظالمون فيها للتقابل بينهما فدل على أنّ تلك الورطة هي الجثوّ حولها وأنهما يشتركان فيها وقد كانا اشتركا في الورود فدل هذا على أنّ المراد بالورود هو الجثيّ وهذا إنما يتأتى بتقدير مضاف في قوله: فيها أي في حواليها بقرينة الجثوّ كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه فمن قال: إنه لا يجري في كلام المصنف رحمه اللّه لم يصب لكنه قيل عليه إنّ الجثو إنما يصلح قرينة إن ثبت أنه لا جثوّ في النار وهو غير مسلم وأيد بأنّ الظالمين لا يتركون حولها بل يدخلون النار، وردّ بأنّ الجثوّ حول جهنم علم من الآية السابقة فردّ هذا إليها والتفصيل بالمعلوم أولى، وليس المراد بالدلالة الدلالة القطعية حتى يخلّ بها الاحتمال، وقوله: لا يتركون الخ لا دليل فيه، ولا يخفى أنّ ما ادّعاه من الأولوية الظاهر خلافه لأنّ جثيا نكرة أعيدت فالظاهر أنها غير الأولى لا سيما وقد وقعت فاصلة، وهي كالقافية لا يحسن تكرارها مع ما فيها من التقدير المخالف للظاهر فتأمل. قوله: (أو ببيان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الخ) أو هنا لمنع الجمع لأنّ ما هو بين اللفظ والمعنى بنفسه لا يكون مبنيا ببيان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، كالمجمل ونحوه لا سيما ومبينة على الأوّل بمعنى متبينة بصيغة اسم الفاعل وهذا بمعنى مبينة بصيغة اسم المفعول فلا حاجة إلى القول بأنها لمنع الخلو حتى يقال: إن فيه تغليبا إذا أريد بالآيات جميعها ليخرج المتشابهات، وقوله: واضحات الإعجاز فهو من بأن بمعنى ظهر،