عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 304
الفريقين المؤمنين والكافرين خير مقاما موضع قيام أو مكانا، وقرأ ابن كثير بالضم أي موضع إقامة ومنزل وأحسن نديا مجلسا ومجتمعا والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها أخذوا في الافتخار بمالهم من حظوظ الدنيا والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم عند اللّه تعالى لقصور نظرهم على الحال.
وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا، فردّ عليهم ذلك أيضا مع التهديد نقضا بقوله:
وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا وكم مفعول أهلكنا، ومن قرن بيانه وإنما سمي أهل كل عصر قرنا لأنه يتقدّم من بعده وهم أحسن صفة لكم، وأثاثا تمييز عن النسبة، وهو كالأوّل فلو قدّمه كان أظهر وعلى هذا فالإسناد لها مجاز أو بتقدير مضاف، وقوله: لأجلهم فاللام للتعليل وقوله أو معهم فاللام صلة القول كقلت له كذا إذا خاطبته به وما وقع في بعض النسخ منهم تحريف. قوله: (موضع قيام أو مكانا) كان الظاهر أي مكانا لأنّ أصل معناه الأوّل ثم استعمل لمطلق المكان كما في الكشاف وما قيل إنّ أو للتخيير في التعبير والتفسير لا يجدي لأنهما ليسا مترادفين فالظاهر أنه أراد أنّ المقام محل القيام فإن كان القيام بمعنى المعاش كما ذكره الراغب في قوله: قياما للناس فهو على ظاهره، وإن كان مقابل القعود فهو خاص أريد به عام ففيه زيادة على ما في الكشاف وهو على الأوّل بمعنى المنزل فتتوافق القراءتان ولا يتكرّر مع قوله نديا، ولذا قدّمه والندي كالنادي مجتمع لندوة القوم ومحادثتهم، ومنزل إن كان بضم الميم بمعنى النزول فهو عطف على إقامة وإن كان بفتحها فهو عطف على موضع وكان الظاهر نصبه حينئذ. قوله: (والمعنى الخ) ناظر إلى ما مرّ في تفسير بينات، وعلمهم معطوف على الحال، وبظاهر متعلق به لا بقصور حتى يكون الظاهر إبدال الباء بعلى كما قيل، وقوله: أيضا أي كما رد عليهم إنكار الحشر بقوله: أو لا يذكر الخ والتهديد بما فيه من الإشارة لإهلاكهم والنقض هنا لما استدلوا به من حسن حالهم في الدنيا على حسن حالهم في الآخرة لتخلفه فيمن قبلهم من القرون وهو نقض إجماليّ كما فصل وبين في آداب البحث، أو هو بمعناه اللغوي وهو الإبطال وكم خبرية أو استفهامية، وهي على كل حال لها الصدر فلذا قدّمت، والقرن أهل كل عصر وقد اختلف في مدّته وهو من قرن الحيوان سمي به لتقدّمه كما أشار إليه، ومنه قرن الشمس الأوّل ما يطلع منها. قوله: (وهم أحسن صفة لكم) بناء على أنه يجوز وصفها كما ذكره الزمخشريّ وتبعه أبو البقاء وردّه أبو حيان بأنّ النحاة صرحوا بأنّ كم سواء كانت خبرية أو استفهامية لا توصف ولا يوصف بها، كالضمير وجعله صفة قرن ولا يرد عليه كم من رجل قام وكم من قرية هلكت بناء على أنّ الجارّ والمجرور يتعين تعلقه بمحذوف هو صفة لكم كما ادعى بعضهم أنّ الرضي أشار إليه لأنه يجوز في الجارّ والمجرور أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف والجملة مفسرة لا محل لها، فما ادعاه غير مسلم عندهم، والخرثي بضم الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة وثاء مثلثة ومثناة تحتية مارت أي قدم وبلي، وقيل: ما لبس،