عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 314
أو على معنى كل هذا الرأي كلا، وكلا على إضمار فعل يفسره ما بعده أي سيجحدون كلا سيكفرون بعبادتهم
ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين بأن سلطناهم عليهم أو قيضنا لهم قرناء تؤزهم أزا تهزهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، والمراد تعجيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أقاويل الكفرة وتماديهم في الغيّ وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدّمة
فلا تعجل عليهم بأن يهلكوا حتى تستريح أنت والمؤمنين من شرورهم وتطهر الأرض من فسادهم إنما نعد لهم أيام آجالهم عدا والمعنى لا تعجل بهلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.
يوم نحشر المتقين نجمعهم إلى الرحمن إلى ربهم الذي غمرهم برحمته ولاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأن ولعله لأنّ مساق هذا الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها وفدا وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم
ونسوق المجرمين كما تساق البهائم إلى قوله: (أو على معنى كل هذا الرأي كلا) فيكون اسما مصدرا منوّنا بمعنى التعب وهو مجاز عن ضعفه منصوب على المصدرية، وقيل: إنه مفعول به بتقدير حملوا كلا، وقوله:
وكلا أي وقرئ كلا بضم الكاف وتشديد اللام وهي منصوبة بفعل يقدر متعدّيا على حدّ زيدا مررت به أي جاوزته فهو من باب الاشتغال كما أشار إليه المصنف بقوله: سيجحدون كلا أي عبادة كل من الآلهة ففيه مضاف مقدّر، وقد لا يقدّر. قوله: (بأن سلطاناهم) فسره به على التجوّز أو التضمين لتعديته بعلى والتسليط بأغوائهم والوسوسة لهم، وقوله: أو قيضنا لهم قرناء أي سخرنا وهيأنا لهم قرناء من الشياطين مسلطين عليهم غالبين عليهم، وقوله: نهزهم وتغريهم تفسير للأز والهز والأز والاستفزاز متقاربة المعاني، وقوله: والمراد تعجيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخ يعني أن في النظم المذكور من قوله: ويقول الإنسان أإذا ما مت إلى هنا ذكر أمور عجيبة تقتضي تعجبه منها وهذا كالتذييل لما قبله كما بينه شراح الكشاف وأشار إليه المصنف رحمه اللّه، وقوله: بأن يهلكوا أي بطلب هلاكهم، وفي قوله: وتطهر الأرض من فسادهم مكنية وتخييلية والأجل في قوله أيام آجالهم بمعنى العمر لأنه يطلق عليه كما يطلق على نهايته وقوله:
إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، يعني أن العدّ كناية عن القلة كما مرّ تحقيقه في قوله: دراهم معدودة، وقلته لتقضيه وفنائه كما قال المأمون: ما كان ذا عدد ... ليس له مدد ... فما أسرع ما نفسد ولا ينافي هذا ما مرّ من أنه يمدّ لمن كان في الضلالة أي يطوّل لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند اللّه، وللّه درّ القائل:
إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس ...
وكيف يفرح بالدنيا ولذتها ... فتى يعدّ عليه اللفظ والنفس ...
قوله: (ولعله) أي اختيار اسم الرحمن وتكرار التعبير به في هذه السورة الكريمة كما تراه