عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 315
جهنم وردا عطاشا، فإن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش أو كالدواب التي ترد الماء
لا يملكون الشفاعة الضمير فيه للعباد المدلول عليها بذكر القسمين وهو الناصب لليوم إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا إلا من تحلى بما يستعدّ به ويستاهل أن يشفع للعصاة من الإيمان والعمل الصالح على ما وعد اللّه تعالى أو إلا من اتخذ من اللّه إذنا فيها كقوله تعالى: لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به، ومحله الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ أو أي لأنه ذكر فيها نعم جسام والرحمن بمعنى المنعم فكأنه قيل: نحشر المتقين إلى ربهم الذي شملهم رحمته ورأفته قال الطيبي: وفي التقابل بين الوفد والرحمن وبين الورد وجهنم إعلام بتبجيل الوافد وظفره بجلائل النعم وأعظم بوافد على رب رحمن كريم وإشعار بإهانة الوارد وتهكم كما في عتابه السيف وكفى بعطش يكون ورده أعظم النيران، وقوله: وافدين إشارة إلى أنه حال، وأصل الوفود القدوم على العظماء للعطايا والاسترفاد ففيه إشارة إلى تبجيلهم وتعظيمهم المزور والزائر، وقوله: كما تساق البهائم ففيه إشارة إلى تحقيرهم وإهانتهم، وقوله:
عطاشا فالورد مجاز عنه لأنه لازمه، كما بينه وعلى ما بعده فالمراد مجرّد سوقهم بقطع النظر عن العطش فهو تشبيه والورد الذهاب إلى الماء، ويطلق على الذاهبين إليه، وقوله: المدلول عليها وفي نسخة عليه والتذكير لتأويله بالذي دلّ عليه وهو سهل، والقسمان هم المتقون والمجرمون المقسم إليهما فجعل عبارة عن جميعهم بقرينة الحشر ويوم القيامة، فإنه يشمل الجميع ولذا قال: وهو الناصب الخ قيل: ولم يجعل الضمير للمتقين والمجرمين المذكورين لأنّ المجرم لا يشفع ولا يشفع له عند المعتزلة ولا للمتقين لتفكيك النظم ففي كلام المصنف شيء يمكن دفعه. قوله: (إلا من تحلى) أي اتصف وقوله: من الإيمان الخ بيان لما ووعد اللّه هو ما نطقت به الآيات والأحاديث الناطقة بأنه أكرم صلحاء المؤمنين بإذنه لهم في الشفاعة لغيرهم فالمراد بالعهد الإيمان والعمل الصالح تشبيها له به، وقوله: على ما وعد اللّه حال أي جاريا على مقتضى وعده وقيل: متعلق بيستعدّ، وقوله: إلا من اتخذ الخ فالمراد بالعهد الإذن والأمر، قيل: وفي لفظ الاتخاذ إباء عنه لأنّ المأمور لا يقال له اتخذ الأمر وإن أوّل بأنه بمعنى قبل وفيه نظر لأنّ الأمر إذن وكما يقال: أخذت الإذن في كذا يقال: اتخذته فلا محذور فيه.
قوله: (ومحله) أي من الموصول الخ قال المعرب: الضميران عاد على المتقين أو العباد أو الفريقين فالاستثناء متصل ومحله إمّا رفع ... أو نصب على وجهي الاستثناء، وإن عاد على المجرمين فقط كان منقطعا لازم النصب عند الحجازيين جائزا نصبه وإبداله عند تميم، فإن كان مستثنى من الشفاعة بتقدير مضاف وهو شفاعة فهو متصل جاز فيه اللغتان أيضا وقيل: المستثنى منه محذوف والتقدير لا يملكون الشفاعة لأحد إلا لمن اتخذ الخ وقال ابن عطية: الاستثناء متصل وإن كان الضمير للمجرمين لشمولهم للكفرة والعصاة، ولا يرد عليه شيء كما قيل والمصنف رحمه اللّه بعد اختيار عموم الضمير جوز فيه لأنه متصل الرفع على البدلية والنصب