الصفحة 3564 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 317

لأنها تهدّ أي تكسر وهو تقرير لكونه إدّا، والمعنى أنّ هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصوّر بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفتت من شدّتها أو أنّ فظاعتها مجلبة لغضب اللّه بحيث لولا حلمه لخرب العالم، وبدّد قوائمه غضبا على من تفوّه بها

أن الهد الهدم وأشار بهذا إلى أنه مفعول مطلق لتهدّ مقدرا أو لتخرّ لأنه بمعناه، وقوله: أو مهدودة إشارة إلى أنه حال مؤّل باسم المفعول من هدّ المتعدّي؛ وقوله: أو لأنها الخ إشارة إلى أنه مفعول له من هدّ الحائط اللازم بمعنى انهدم لأنه يرد لا زما أيضا وهو هدّ يهدّ بالكسر بمعنى سقط أثبته المعرب تبعا لشيخه أبي حيان وهو إمام اللغة والنحو فلا عبرة بمن أنكره وهو بمعنى المجهول فلذا فسره به لأن كسر العود بمعنى انكسر أي هو إشارة إلى أنه إذا هدّ حصل له الهدّ فصح أن يكون مفعولا له أو هو مصدر مجهول فيكون فعل الفاعل الفعل المعلل كما في بعض شروح الكشاف، وتهدّ في قوله: تهدّ هدّا مجهول هدّ المتعدّي أو معلوم اللازم والمشهور الأوّل وقول المصنف رحمه اللّه: مهدودة دون هادّة لأنه الأكثر، وقوله: أو مهدودة إشارة إلى الحالية كما مرّ بتأويله بالوصف، ويصح فيه بتقدير المضاف أي ذات هدّ، وقوله: أو لأنها الخ تقدّم بيانه وأمّا إسناداه إلى الجبال على معنى أنها تهدّ نفسها من هول هذه الكلمة فتكلف وإن ادّعى أنه أنسب بالمقام، وقوله: وهو تقرير الخ أي قوله: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض الخ لكونه دالا على أنه منكر عجيب صدوره منهم إلا أنه لكونه أبلغ عطف عليه لا دّعاء التغاير. قوله: (والمعنى أن هول هذه الكلمة الخ) ذكر الزمخشريّ في تفسيره وجهين كما ذكره المصنف أيضا أحدهما أن المعنى كدت أن أفعل هذا غضبا على من تفوّه بهذه الكلمة لولا حلمي كقوله: إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده أنه كان حليما غفورا، والثاني أنه استعظام لهذه الكلمة وتهويل لفظاعتها وتصوير لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده وإن مثل ذلك لو أصاب هذه الإجرام العظيمة التي هي قوام العالم تهدّمت وخربت فعلى الأوّل ليس خراب العالم المجرّد هذه الكلمة بل هو كناية عن غضب اللّه على قائلها، وأنه لولا حلمه لوقع ذلك وهلك القائل وغيره، كما في قوله: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [سورة الأنفال، الآية: 25] فلا يرد عليه آية ولا تزر وازرة وزر أخرى [سورة الأنعام، الآية: 164] كما قيل، وعلى الثاني هو تمثيل لفظاعة هذه الكلمة بأخذ الزبدة والنظر إلى المجموع كقوله: والأرض جميعا قبضته كما قرّر في محله وهو من المبالغة المقبولة، كقوله: يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، وقيل إنما خلقت هذه الإجرام والموجودات لتدلّ على وجود ذاته وصفاته وعلى تنزهه عن الضدّ والندّ والتوالد فمن اعتقد خلافه أبطل دلالته فكأنه أبطل وجودها واستجاز عدمها بهدّها وتخريبها لنفي دلالتها كما قيل:

وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد ...

فهو استعارة واعترض عليه بأنّ الموجودات إنما تدل على خالق قادر عالم حكيم لدلالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت