رابعًا ـ ومن وسائله في التفريق بين دلالات الألفاظ المترادفة ظاهريًّا، أي ما تقارب في المعنى، إرجاعه معاني هذه الألفاظ إلى أصل دلاليّ واحد، ثمّ يعود ليلتمس الفروق بين معانيها، على نحو ما نراه عند تفسيره لفظة (السفك) في قوله تعالى:
{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ.} (البقرة: من الآية30) إذ أورد ألفاظًا أخر تقترب دلالاتها منها، وهذا التقارب ناتج عن اتّفاق في بعض الأصوات، أو عن تقليب الاشتقاقات للفظة، فمن ذلك إيراده ألفاظ (السفح) و (السبك) ،
و (السكب) الّتي رآها تقترب من لفظة (السفك) في الآية المذكورة آنفًا، إذ قال: إنّ (السفك) و (السفح) و (السبك) و (السكب) "أنواع من الصبّ." [1] ثمّ
أشار إلى التمايز الدلاليّ بينها، قائلًا:"والأوّلان مختصّان بالدم، بل لا يستعمل أوّلهما إلاّ في الدم المحرّم، أي: بقتل النفوس المحرّمة بغير حقّ." [2] ولم يذكر
أبو السعود ما تمايزت به اللفظتان الأخريان (السبك) و (السكب) ، مقتصرًا
على دلالة الصبّ فيهما، ولمّا كانت دلالة (السفك) و (السفح) ممّا اختصّ بصبّ الدم في القتل المحرّم للنفوس المحرّمة. فإنّ (السكب) فيما رآه أبو هلال العسكريّ ـ في تفريقه بين (السفح) و (الصبّ) و (السكب) ـ هو"الصبّ المتتابع ..."
ومنه قوله تعالى: (( وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ. ) ) [3] لأنّه دائم لا ينقطع." [4] فقد جاء في المعجمات [5] أنّ (السبك) من تسبيك الذهب والفضّة، أي: إذابته وتفريغه في"
مسبكة من حديد.
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 82.
(2) إرشاد العقل السليم 1: 82.
(3) الواقعة 31.
(4) الفروق اللغويّة 257 ـ 258، وينظر: المفردات 236 (سكب) .
(5) ينظر: العين 2/ 787 (سبك) ، والقاموس المحيط 3/ 315 (سبك) .