الصفحة 291 من 371

الّتي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه." [1] فتقديم الجباه على الجنوب والظهور من قبيل التدرّج في الرتبة [2] ؛ ذلك لأنّهم إذا أبصروا الفقير عبسوا وازورّوا عنه، وتولّوا بأركانهم وأعطوه ظهورهم [3] ."

4 ـ كثرة الوقوع:

ومثال ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.} (البقرة:262) إذ علّل أبو السعود تقديم (المنّ) على (الأذى) بقوله:"إنّما قدِّم المنّ لكثرة وقوعه." [4]

ومنه أيضًا تقديم (الإناث) على (الذكور) في قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ.} (الشورى:49) إذ احتمل أبو السعود عدّة احتمالات دلاليّة في تقديم الإناث، وذلك عند قوله:"ولعلّ تقديم الإناث؛ لأنّها أكثر لتكثير النسل، أو لأنّ مساق الآية للدلالة على أنّ الواقع ما تتعلّق به مشيئته تعالى لا ما تتعلّق به مشيئة الإنسان والإناث كذلك، أو لأنّ الكلام في البلاء والعرب تعدّهنّ أعظم البلايا، أو لتطييب قلوب آبائهنّ، أو للمحافظة على ... الفواصل." [5]

وقد أبعد أبو السعود بعض ما احتمله من تعليلات لتقديم الإناث على الذكور، لا سيّما في ردّه ذلك إلى الكثرة، أو إلى الحفاظ على الفاصة؛ لأنّ تسويغ تقديم

الإناث ـ هنا ـ على الذكور بكثرتها، وأنّها العلّة في تكثير النسل، ينقضه تقديم الذكور عليهنّ في السياق المتأخّر بعد الآية، وهو قوله تعالى: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ

(1) إرشاد العقل السليم 2/ 84.

(2) إرشاد العقل السليم 4/ 63.

(3) التعبير القرآنيّ 55.

(4) إرشاد العقل السليم 1/ 258.

(5) إرشاد العقل السليم 8/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت