الصفحة 290 من 371

أنّ (الجنّ) "أعرف من الإنس في الاتّصاف بما نحن فيه من الصفات، وأكثر عددًا، وأقدم خلقًا." [1] فالتقديم هنا جاء موافقًا لسياق الآية في التدرّج بحسب القدم والأولويّة في الوجود، فبدأ على هذا الأساس بالأقدم، ثمّ الّذي يليه، وهكذا إذ إنّ خلق الجنّ

سبق خلق الإنس، بدلالة القرينة غير السياقيّة في قوله تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ.} (الحجر:27) [2] ولمّا كان السياق اللفظيّ في الآية يتحدّث عن موضوع العبادة، فلا بدّ من ذكر السابقين في عبادة الله من الخلق، وأوائلهم في الوجود وهم الجنّ والملائكة.

ومثل ذلك تقديم (الإخفاء) على (الإبداء) في قوله تعالى: {قلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.} (آل عمران:29) إذ قال أبو السعود:"حيث قدّم فيه الإخفاء على الإبداء ... باعتبار أنّ مرتبة السرّ متقدّمة على مرتبة العلن، إذ ما من شيء يعلن إلاّ وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في القلب يتعلّق به الإسرار غالبًا، فتعلق علمه بحالته الأولى متقدّم على تعلّقه بحالته الثانية." [3] فقُدِّمَ الإخفاء ـ هنا ـ لتقدّم وجوده في الصدر؛ لأنّ"الأشياء الّتي تبرز زمن الإنسان يتقدّم إضمارها في قلبه، ثمّ تبرز." [4]

ومن ذلك قوله تعالى فيمن يكنز الذهب والفضّة: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.} (التوبة:35) فقد علّل أبو السعود كوي الجباه بثلاثة أمور هي: أوّلًا ـ أنّهم"ازوروا عن السائل وأعرضوا عنه وولّوه ظهورهم؛ أو لأنّها أشرف الأعضاء الظاهرة، فإنّها المشتملة على الأعضاء الرئيسة الّتي هي الدماغ والقلب والكبد، أو لأنّها أصول الجهات الأربعة"

(1) إرشاد العقل السليم 3/ 295، عند تفسيره قوله تعالى: (( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ

والإنْسِ. )) (الأعراف 179)

(2) التعبير القرآنيّ 51.

(3) إرشاد العقل السليم 1/ 119، وينظر: 2/ 23.

(4) البحر المحيط 1/ 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت