الصفحة 289 من 371

بالعذاب الأكبر، أي إلينا رجوعهم بالموت والبعث لا إلى أحد سوانا." [1] أي: تعليل لقوله تعالى المتقدّم: {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ.} (الغاشية:24) ثمّ ذكر أنّ معنى (ثمّ إنّ علينا حسابهم) أي"في المحشر لا على غيرنا." [2] ثمّ قال إنّ" (ثمّ) للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإنّ الترتيب الزمانيّ بين إيابهم وحسابهم، لا بين كون إيابهم إليه تعالى وحسابهم عليه تعالى، فإنّهما أمران مستمرّان، وفي تصدير الجملتين بـ (أن) ، وتقديم خبرها وعطف القانية على الأولى بكلمة (ثمّ) المفيدة؛ ليعدّ منزلة الحساب، في الشدّة من الأنباء عن غاية السخط الموجب لتشديد العذاب ما لا يخفى." [3] "

ومن كلامه المتقد‍ّم يتبيّن أنّه أدرك أنّ الغاية من تقديم شبه الجملة (إلينا) على

(إيابهم) و (علينا) على (حسابهم) هي اختصاصه سبحانه بإياب جميع الخلق

إليه، وعليه وحده حسابهم، وإن كان تركيزه على تقديم الإياب على الحساب من حيث الترتيب الزمانيّ، وعلى دلالة هذا الترتيب الّتي هي الإخبار بشدّة الحساب والعذاب

الّذي ينتظرهم من الله تعالى، وهو شديد العقاب؛ ولذا يمكن القول إنّ التقديم هنا أفاد غرضين هما الاختصاص [4] ، والمبالغة والتعظيم لشأن عذابه سبحانه للمعرضين والكفّار. إذ ذكر الرازيّ أنّ الفائدة من تقديم شبه الجملة"التشديد بالوعيد." [5] ، فيكون المعنى"إنّ إيابهم ليس إلاّ إلى الجبّار المقتدر على الانتقام، وأنّ حسابهم ليس بواجب إلاّ عليه، وهو الّذي يحاسب على النقير والقطمير." [6]

3 ـ التقدّم والسبق في الوجود أو الرتبة:

ومنه قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.} (الذريات:56) فقد علّل أبو السعود تقديم (خلق الجنّ) على (خلق الإنس) بقوله:"ولعلّ تقديم خلق الجنّ في الذكر لتقدّمه على خلق الإنس في الوجود." [7] وذكر في موضع آخر تفسيره

(1) إرشاد العقل السليم 9/ 152.

(2) إرشاد العقل السليم 9/ 152.

(3) إرشاد العقل السليم 9/ 152.

(4) التعبير القرآنيّ 49.

(5) التفسير الكبير 31/ 146.

(6) التفسير الكبير 31/ 146.

(7) إرشاد العقل السليم 8/ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت