والسجود فقط، ومنهم من يؤدّي الأركان الثلاثة من قيام وركوع وسجود، فأمرها الله سبحانه أن تقترن بمن يركع ولا تكون مع غير الراكعين [1] .
فاحتمل التعبير في الآية الأغراض الثلاثة، فعلى الأوّل منها يكون الغرض التقدّم في الرتبة بسبق السجود الركوع لديهم في صلاتهم، والاحتمال الثاني يكون السجود له التقدم في الفضل والشرف والخضوع على بقية أركان الصلاة، غير أنّ تقديم
(القنوت) على السجود في الآية ما يخالف ذلك؛ لأنّ (القنوت) ركن من أركان الصلاة أيضًا.
وهناك من رأى أنّ الغاية من التقديم والتأخير في هذه الآية التدرّج من الكثرة إلى القلّة، أي ممّا يؤدّى بشكل واسع إلى تأديته أقلّ فأقلّ، من الأعمّ إلى الأخصّ، فالبدء بالقنوت لعمومه في العبادة، ثمّ يأتي بعده السجود، ثمّ الركوع الّذي هو أقلّهما وأخصّ منهما [2] .
6 ـ المبالغة:
ومن ذلك قوله تعالى: {فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.} (يّس:76) إذ احتمل أبو السعود غرضين في تقديم (السرّ) على (العلن) ، أحدهما: المبالغة، والآخر: التقدّم في الرتبة، إذ قال:"وتقديم (السرّ) على (العلن) إمّا للمبالغة في بيان شمول علمه تعالى لجميع المعلومات، كأنّ علمه تعالى بما يسرّونه أقدم منه بما يعلنونه مع استوائهما في الحقيقة، فإنّ علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها، بل وجود كلّ شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة، وإمّا لأنّ مرتبة السرّ متقدّمة على مرتبة العلن، إذ ما من شيء يعلن إلاّ وهو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك." [3]
وما احتمله أبو السعود في دلالة تقديم السرّ على العلن معنى المبالغة أقرب إلى واقع النصّ، ومعناه ممّا هو لتقدّم رتبة السرّ على العلن؛ لدلالة السياق، إذ كان في معرض الإخبار عن اتّخاذ الكفّار من دون الله إلهًا على الرغم من إنعام الله سبحانه عليهم بالأنعام
(1) الكشّاف 1/ 389.
(2) بدائع الفوائد: ابن قيم الجوزية 1/ 8، وينظر: التعبير القرآنيّ 56.
(3) إرشاد العقل السليم 7/ 179 ـ 180.