فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 780

ووجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى الاستعاذة من الشيطان وشركه إذا أصبحوا، وإذا أم سوا، وإذا ناموا بوصيته العظيمة لصاحبه الصديق ـ رضي الله عنه ـ فيما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن أبا بكر الصديق قال: «قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، قال: قلها إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك» (8) .

والعلاج حين يلبِّس الشيطان على العبد صلاته فيما رواه عثمان بن أبي العاص أنه: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبِّسها عليّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا. قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني» (1) .

وقد ذكر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ أن طريق الوقاية من الشيطان وكيده هو العلم بمداخله ومخارجه ووساوسه وخواطره، ومعرفة عسكره وجنده، وأنصاره وحزبه، وكذلك معرفة منهجه الضال الفاسد في إغراء الشهوات، وإيراد الشبهات، واتخاذ الحياة الدنيا مستقرًا ومقامًا، ونهاية ومآلًا، وما الحياة الدنيا إلا ممر ومعبر إلى الدار الآخرة، وحياة قصيرة فانية، قليلة زائلة. قال ـ تعالى ـ: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20] .

قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «إن الله ـ سبحانه ـ بحكمته سلط على العبد عدوًا عالمًا بطرق هلاكه، وأسباب الشر الذي يلقيه فيه، متفننًا فيها، خبيرًا بها، حريصًا عليها لا يفتر يقظة ولا منامًا...

أحدها: وهي غاية مراده منه أن يحول بينه وبين العلم والإيمان، فيلقيه في الكفر؛ فإذا ظفر بذلك فرغ منه واستراح... فإن فاتته هذه وهُدي للإسلام حرص على ما يتلو الكفر وهي البدعة، وهي أحب إليه من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها؛ لأن صاحبها يرى أنه على هدى، وفي بعض الآثار يقول إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء؛ فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا... فإن ظفر منه بهذا صيره من رعاته وأمرائه، فإن أعجزه شغله بالعمل المفضول عن ما هو أفضل منه، فإن أعجزه ذلك صار إلى تسليط حزبه يؤذونه ويشتمونه ويبهتونه ويرمونه بالعظائم ليحزنه، ويشغل قلبه عن العلم والإرادة وسائر أعماله.

فكيف يمكن أن يحترز منه من لا علم له بهذه الأمور؟ ولا بعدوه؟ ولا بما يحصن منه؟ فإنه لا ينجو من عدوه إلا من عرفه، وعرف طريقه الذي يأتيه منه، وجيشه الذي يستعين به عليه، وعرف مداخله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت