... سلمان بن عمر السنيدي
حين ننظر إلى حالنا ونقيم أوضاعنا نرى أن في الأمة أمراضًا وانحرافات ومنكرات تجب معالجتها والسعي في إزالتها، غير أن الإفراط في الحديث عن جوانب القصور والتفريط ربما يتحول إلى خطر إذا صاحبه الرضى بالضعف والقنوط من الإصلاح، ذلك أنه لا يزيد المجتمع إلا وهنًا، ولا يجرعه إلا غصصًا، ولا يَعِده إلا يأسًا، فلا يقدم له علاجًا ولا يمنحه دواء، وإنما يصرف همته إلى قبول المرض واقعًا لا بديل عنه، وأنه داء عمَّت به البلوى، وأنّ تلمس سبيل العافية مشقة لا تطاق، وأن المتعافي كلف نفسه حرجًا، وخالف للمجتمع عُرفًا، وخسر من دنياه ما هو في حل من أمره وسعة.
ولذا كان المغرقون في الحديث عن مظاهر الفساد على هذا النحو يشكِّلون أحد عناصر الفساد والهلاك؛ إذ هم معاول هدم للهمم، وزرّاعون لليأس.
قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل: هلك الناس. فهو أهلكهُم» (1) .
فهو (أهلكَهم) بفعله حيث نشر اليأس بينهم، وهو (أهلكُهم) وأشدهم هلاكًا، حيث اقترف هذا الإثم، وزها بنفسه، واغتر بحاله.
ألا قاتل الله اليأس كيف يصنع بأهله وبالناس، إنه داء جديد يزرعه العاجزون عن الإصلاح بين أفراد الأمة، خدمة مجانية لأعدائها.
? منابر اليأس:
إن من المنابر الإعلامية ما يزرع اليأس؛ حين تلبس لباس الطبيب لتشخيص الداء، وتطرح تفاصيل صريحة تجذب المستمع والمشاهد؛ بانتقاء أمراض في الأمة، وتسلِّط الضوء على بعض الجروح بطريقة يخرج المتابع منها بجملة من الأدواء التي تزرع اليأس أو تمهد له، والتي منها:
الأول: تفريغ شحنة النقد والتوهم بمعالجة قضية واقعية؛ مما يعدّ عند كثير من الناس سببًا كافيًا لعدم إثارتها مرة أخرى.
ثانيًا: خلل واضح في انتقاء المشكلات وتشكيل أولوياتها في عقل المتابع، وتضليل فكره عن أصولها ومصادرها، وتشتيته عن مشكلاته الحقيقية.
ثالثًا: نشر ثقافة الوهن وحب الدنيا، والتصالح مع الضعف، واعتبار الحل الذكي هو القدرة على التعايش مع المصالح على حساب المبادئ استجابة للضغوط المادية؛ عند بروز حاجة أو طمع في متع الحياة وما تهوى النفوس.
وعند اختيار قضية ذات أهمية فإن العلاج لا يخلو من انتقائية وتضليل، وبُعد عن مسلَّمات وحقائق مهمة ليست ضمن قناعات تلك المنابر، وعليه فلا يمكن أن تتطرق أو تشير إليها؛ لأن فاقد الشيء لا