فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 780

أثر القرآن في تقوية الإحساس بالأخوة ...

... د. أحمد بن شرشال

الاشتغال بفهم القرآن وتفسيره والتفقّه فيه يرقق إحساس المسلم ويقوي شعوره،وينمي فيه حب الآخرين؛ بحيث يتألم لآلامهم، ويفرح لفرحهم، ويسعد لسعادتهم.

ومن الأساليب القرآنية في التعبير عن هذا الإحساس أن جعل قتل الرجل لغيره قتلًا لنفسه، وجعل إخراج الرجل من داره إخراجًا لنفسه، وجعل ظن السوء بالغير ظنًا بنفسه، وجعل لمز الغير لمزًا لنفسه، والسلام على الغير سلامًا على نفسه؛ وكل ذلك ذكره القرآن. قال الله ـ تعالى ـ في سياق أخبار بني إسرائيل: (( وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُون ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ) ) [البقرة: 84، 85] .فجعل دم كل فرد من أفرادهم كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه قتل نفسه وانتحر ذاته.

قال القرطبي: (ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحدًا، وكانوا كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضًا وإخراج بعضهم بعضًا قتلًا لأنفسهم ونفيًا لها) (1) .

ومثل هذا السياق قوله ـ تعالى ـ: (( فَاقْتُلُوًا أََنفُسَكُمْ ) ) [البقرة: 54] ومعناه: فليقتل بعضكم بعضًا بأن يقتل من لم يعبد العجل عابديه؛ فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه.

قال القرطبي: (وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عَبَدَة العجل بأن يقتل نفسه) ثم نقل عن الزهري قوله: (أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل) (2) .

وقال الله ـ تعالى ـ في سياق هذه الأمة: (( وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ) ) [النساء: 29] أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، فجعل قتل الرجل لغيره قتلًا لنفسه، قال القرطبي: (أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضًا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه) (3) . قال الحافظ ابن كثير: (وهو الأشبه بالصواب) (4) ، قال الزمخشري: (شبّه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو الدين؛ فإذا قتل المتصل به نسبًا أو دينًا فكأنما قتل نفسه) (5) ، وقال الحافظ ابن كثير: (إن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة) (6) . وقد بيّن الله أن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا، فقال: (( ..كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأََرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) ) [المائدة: 32] .

ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله ـ تعالى ـ: (( يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ) [المائدة: 105] . حكى الفخر الرازي مقالة لعبد الله بن المبارك أنه قال: (هذه أوْكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه ـ سبحانه ـ قال:(( عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ ) )يعني عليكم أهل دينكم، ولا يضركم من ضل من الكفار، بأن يعظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت