فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 780

... إبراهيم داود

(إني أعالج أمرًا لا يُعين عليه إلا الله، قَدْ فَنِيَ عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجميّ، وهاجر عليه الأعرابيّ، حتى حسبوه دينًا لا يرون الحقّ غيره) (1) .

لا زالت هذه العبارة البليغة التي قالها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ترسم لنا صورة المعلم المسلم في هذه الأيام، وإن لم يعد ـ هذا المعلم ـ (يعالج) الأمر الذي يهمّه كما كان خامس الراشدين ـ رحمه الله ورضي عنه ـ يفعل.

لا شك أن الذين ما زالوا يعالجون أمر التربية والتعليم من المعلمين المسلمين يعانون مثلما عانى عمر، ولكنهم أفذاذ قليلون لا يُقاسون بالكثرة الكاثرة التي تعكس صورة الحيرة والتردد حينًا وصورة الغفلة والضياع أحيانًا. وممّا لا سبيل إلى إنكاره أنّ المسلم في هذه الأيام ـ معلمًا وغير معلم ـ مُوَزّعٌ بين إسلامٍ يأمره بالمعروف، وواقع يغريه بالمنكر أو يُكرهه عليه إكراهًا، وأنّ هذه الحال تعرقل عمل المعلم وتزيد معاناته أضعافًا مضاعفة!

فبحسب المعلم المسلم المعاصر أن المَثَل التربويّ الأعلى الذي يُراد له أن يصبّ تلاميذه في قالبه هو التربية الغربية الغريبة التي يتولى كبرها ويضع مناهجها وبرامجها رجال لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر (2) ، وبحسب المعلم أنّ له شركاء في التربية يحادّونه ويعادونه: يُفسدون إذا أصلح، ويهدمون إذا بنى، ويُدمّرون إذا عمّر، وأنهم ـ وهذا أدهى وأمرّ ـ يملكون من أسباب النجاح في الإفساد والهدم والتدمير، ما لا يملك ـ هو ـ مثله ولا دونه في الإصلاح والبناء والتعمير، وأنّ الهدم أهون من البناء كما أن القائمين عليه أمضى سلاحًا وأكثر عددًا:

فلو أَلْفُ بانٍ خلفهم هادم كَفَى فكيف ببانٍ خلفه أَلْفُ هادم؟!

وبحسب المعلم ـ كذلك ـ أنّ نجاح عمله موقوف على كفاءة النظام التربوي السائد، وعلى اضطلاع الأسرة بواجباتها، وعلى قيام وسائل الإعلام بمسؤولياتها،بل وعلى كون المجتمع بكافة قطاعاته ومؤسساته ساعيًا بصدق وقوة إلى تحقيق الغاية الكبرى من الحياة الدنيا، وهي عبادة الله ـ تعالى ـ وتعبيد الأجيال له ـ سبحانه ـ... فإنْ صَحّ ذلك ـ وإنّه لصحيح ـ فهل تبقى على المعلم حجة إن غفل أو فشل أو نكص على عقبيه؟! نعم؛ لأن تفريط أحد لا يكون حجة لأحد، ولأنّ أسباب الفشل وإن تعددت وتجمعت لا تُبطل حقًا ولا تُحقّ باطلًا؛ ولأن المسلمين لا يكونون إمّعات، ولا يقول قائلهم:

وهل أنا إلا من غَزِيّة إنْ غوتْ غويتُ وإنْ ترشدْ غزيّة أرشد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت