فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 780

أ. د. مصطفى رجب

يعرَّف السلوك في علم النفس الحديث بأنه: أخلاق الفرد وتعامله مع الآخرين. وهذا الفهم يأتي من استخدام كلمة السلوك في الحياة اليومية، فنقول: فلان سلوكه حسن.

ويعرَّف من وجهة نظر أخرى بأنه: كل ما يقوم به الفرد ويظهر للآخرين. وهذا التعريف لا يتضمن السلوك غير الظاهر، فالإنسان له سلوك ظاهر يظهر للآخرين، وسلوك لا يظهر للآخرين؛ كالتفكير مثلًا.

وهناك من يرى أن السلوك هو كل ما يصدر عن الكائن الحي (الإنسان) من نشاط؛ سواء أكان قويًا يلاحظه الآخرون، أم ضعيفًا لا يلاحظه الآخرون، وقد يلاحظه الفرد أثناء تفاعله مع البيئة.

وقد ذهب أكثر علماء النفس إلى أن السلوك هو النشاط الإنساني الذي يصدر عن الإنسان من قول أو فعل أو عمل؛ سواء أكان إراديًا أم غير إرادي، وظاهرًا أم باطنًا، وعليه؛ فالسلوك هو نشاط صادر عن الإنسان؛ سواء أكان هذا النشاط ظاهرًا ملاحظًا أم غير ملاحظ، وإراديًا أم غير إرادي.السلوك في القرآن الكريم:

السلوك في القرآن الكريم يعبَّر عنه بمصطلح (العمل) ، وهو بهذا يقابل السلوك في علم النفس الحديث؛ فالعمل الصالح يقابل السلوك المرغوب فيه، والعمل غير الصالح يقابل السلوك غير المرغوب فيه. وورد لفظ (العمل) ومشتقاته في القرآن الكريم عدة مرات، ومن أمثلة ذلك: قوله - تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 79] ، وقوله - تعالى: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 04] . فالمتأمِّل في الآيتين السابقتين يخلص إلى أن المقصود بالعمل هو النشاط الصادر عن الإنسان، ويترتب على هذا النشاط جزاء عند الله سبحانه وتعالى، وهذا هو منهج المفسرين؛ فيفسر الصابوني العمل الصالح بالفعل فيقول: «أي: من فعل الصالحات ذكرًا كان أو أنثى» .

وأوضح القرآن الكريم أن مصدر السلوك للمسلم هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وبهذا يختلف مصدر تلقي السلوك عن باقي المدارس الفلسفية والتربوية الأخرى التي تجعل المجتمع أو الفرد مصدرًا لتلقِّي السلوك. وبيَّن القرآن الكريم أن السلوك يتأثر بكلٍّ من عوامل الوراثة والبيئة، ولكنه تأثير ليس حاسمًا؛ فقد يحدث ما يضاد الوراثة والبيئة معًا - سيأتي بيان ذلك لاحقًا - فالسلوك ثمرة الفهم الواعي والعقل الراجح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت