ويؤكد القرآن الكريم أن السلوك الظاهر لا يدل بالضرورة على الحالة الداخلية للإنسان، ومن ذلك: قوله - تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 402] ، فهذا المخلوق الذي يصوِّر نفسه بأنه خلاصة من الخير والتجرُّد والحب والترفُّع والرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة، والذي يعجبك صوته وحديثه ويُشهِد اللهَ على ذلك لزيادة التأثير والإيحاء؛ فهو في حقيقته تزدحم نفسه بالخصومة فلا موضع فيها للحب والخير ولا مكان للإيثار، فهو يتناقض ظاهره وباطنه ومظهره ومخبره حتى إذا جاء وقت العمل ظهر ما كان يبطن وانكشف المستور وتم فضح حقيقته.
فالآية الكريمة تبيِّن ومن خلال التفسير أن هناك أناسًا في الظاهر تتوسَّم فيهم الطيبة والعمل الصالح في أقوالهم وأفعالهم، وواقعهم خلاف ذلك.
ومما يؤكد هذا المنهج قوله - تعالى - عن فقراء المسلمين: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 372] . فالآية الكريمة تبين لنا أن ثمَّة فقراء يخيل إلينا أنهم أغنياء؛ لأنهم لا يطلبون الصدقة ولا يمدون أيديهم إلى أحد.
العوامل التي يتأثر بها السلوك في القرآن الكريم:
بيَّنت الدراسات النفسية الحديثة أن السلوك الإنساني يتأثَّر بعاملَي الوراثة والبيئة، والقرآن الكريم يعترف بالوراثة والبيئة ولكن لا يراها العامل الحاسم والمطلق في السلوك، بل القرآن الكريم يعلي من الفهم الواعي والعقل الراجح ويراه العنصر الحاسم في السلوك.
ومما يدل على عدم التأثير المطلق لعاملَي الوراثة والبيئة في السلوك ما يلي:
1 -في قصة نوح - عليه السلام - مع ابنه الكافر، والذي وصفه القرآن الكريم بأنه ليس من أهل نوح - عليه السلام - بل الأحرى أن يعلن براءته منه، قال - تعالى: {قَالَ يَا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 64] ، فلو كان لعامل الوراثة دور حاسم في السلوك الإنساني لكان ابن نوح - عليه السلام - من الذين آمنوا معه، ففي الآية نفي أن يكون من أهل دينه واعتقاده، وإعلام بأن قرابة الدين بالنسبة لأهل الإيمان هي القرابة، وهذا شائع في الاستعمال.
2 -وفي قصة امرأة فرعون المؤمنة والتي كانت تعيش في بيئة فاسدة ومنحرفة، ولكنها سلكت سلوك الإيمان والعمل الصالح، قال - تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 11] ، وهي نموذج عالٍ في التجرُّد لله من كل هذه المؤثرات وكل هذه المعوقات.
ولا يُفهَم من الآية الكريمة أن يذهب الإنسان إلى البيئة الفاسدة؛ فالإسلام يحرص على أن يتجنب الإنسان البيئة الفاسدة بل يدعوه إلى إصلاحها.