... أكرم عصبان الحضرمي
إنَّ هذه النصيحة الغالية، والحكمة البالغة التي أطلقها الإمام الصَيْمَري (1) ـ عليه رحمة الله ـ تأسفًا على فوات كثير من العلم والاستفادة من عَلَمٍ من أعلام الحديث، لتمثل لنا سِراجًا نستنير به في ظلمات الهجر غير المنضبط الذي خيَّم في سماء صحوتنا، والذي يمثل عقبة في طريق العلم والاستفادة.
إنَّ مَنْ تفقه في هذه العبارة، وتأملها كل التأمل، انتفع بها غاية الانتفاع؛ لأنها تعالج لنا واقعًا من الانحراف في حياتنا التعليمية ومنهجًا معوجًا في التعامل مع اجتهاد العلماء، وأخطائهم، وتتضح لنا خطورة هذا المسلك حين تأتي الثمار السيئة من تفويت الخير الكثير في ترك جهود العلماء المشهود لهم بالعلم الراسخ والقدَمَ الثابت.
من أجل هذا وغيره أضحت هذه المشكلة جديرة بالوقوف أمامها وصرف النظر إليها، إنها مشكلة الازورار عن العلم (دروسًا وكتبًا وأشرطة...) بسبب بعض الاجتهادات والأخطاء، فما هو خبر الصَيْمَري؟
لنستمع إليه يحدثنا عن خبره.
قال الخطيب: قال لي الصَيْمَري:"سمعتُ من الدارقطني (2) أجزاءًا من سننه، وانقطعتُ لكونه ليَّن أبا يوسف، وليتني لم أفعل، إيش ضرَّ أبا الحسن انصرافي؟" (3) .
تشخيص الظاهرة:
إنه يشخِّص الظاهرةَ (الانقطاع عن دروس الدارقطني) ولقد انتشرت هذه الظاهرة في عصرنا وفشت، فكم من مجالسَ للعلماء تُهجَرُ، وكم من كتب تحرق، وكم من أشرطة ترمى! بل وصل الأمر ذروته وبلغ السيل الزبى حين يُهْجَرُ مَنْ لَمْ يَهْجُرْ تلك الأمور، وهذه ـ لعمري ـ قاصمةُ الظهر، فلم يقطعوا دروسَ الدارقطني فحسبْ، بل قطعوا من لم ينقطع من دروسه، وهذه من فرائِد عصرِنا وهذا مخالف لميزان الإنصاف (( قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ) ). [يوسف: 79] .
أسباب الظاهرة:
إن سبب الانقطاع (لكونه ليَّن أبا يوسف) (4) صاحب أبي حنيفة وأحد أئمة الأحناف وأركان المذهب، فالصَيْمَري لم يتحملْ كلام الدارقطني فيه فترك مجلسه؛ وهذا نَعدُّه تعصبًا منه ـ رحمه الله ـ وانتصارًا لإمامه.
داء التعصب: