فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 780

عند ابن حزم الأندلسي ...

... جمال الحوشبي

يُصنّف الإمام أبو محمد: علي بن أحمد بن حزم الأندلسي (384 ـ 456هـ) ضمن رواد المدرسة الظاهرية، بل هو المتحدث الرسمي بلسانها. وبعيدًا عن الخوض في المذهب الظاهري سلبًا وإيجابًا، فإن أبا محمد ـ رحمه الله ـ يعد من أبرز أعلام التربية الإسلامية.. وله في هذا الشأن الكثير من روائع الاستدلالات والاستنباطات التربوية التي تشكل بمجموعها ثروة تربوية هائلة تستحق أن تفرد في رسائل تربوية مقننة على أيدي الأكفاء من علماء التربية الإسلامية في هذا العصر، ولقد استعنت عن عمد بآراء هذا الإمام التربوية وملامحه القيادية، غير متجاهل بعض آرائه التي نازع فيها أهل العلم وشذ عن أقوالهم في تقريرها؛ ذلك أن هذه الملامح التربوية ـ بعيدًا عن الخوض في تلك المسائل المتنازع فيها ـ تعد ثروة تربوية وكنزًا ثمينًا تفخر به تربيتنا الإسلامية ضمن ذخائرها الكثيرة.

وما أحسن كلام الذهبي ـ رحمه الله ـ الذي لا يقل ميزانه في نقد الرجال عن نفيس نقده وسبكه ـ حين عرض لتلك الآراء الاجتهادية ـ التي انفرد فيها ابن حزم ـ رحمه الله ـ فأنصفه وبالغ في تعظيمه بقوله: (ولي أنا ميل إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفّره ولا أضلّله، وأرجو له وللمسلمين العفو والمسامحة، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه) (1) .

وهي عبارة دقيقة، وإنصاف عادل، وأصل نفيس نفتقده اليوم في خضم الأهواء والأفكار البشعة في النقد والحكم على الآخرين، وبها تستقيم التربية ويعرف الحق من الباطل.

لقد تميز الفكر التربوي لدى الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ بالأصالة والابتكار، واتسم ـ إلى حد كبير ـ بالاستقلالية ورفض التقليد أو المحاكاة، فجاءت آراؤه التربوية ذات أسس وقواعد، لها تجاربها وعبرها الذاتية، كما أن لها رحلاتها وشواهدها القاسية التي خاضها بنفسه، وربما سطّر بعضها في أخريات حياته!

ومما تتميز به لمحات ابن حزم التربوية وتوجيهاته القيادية النظرة الشمولية لطبيعة الحلول (العملية) المقترحة التي يقدمها للقادة والمربين، ولا يدرك قيمة هذه المهارة التربوية التي تُعنى بالجانب التكاملي في العلاج إلا من كان له سابق اطلاع على (النظريات) التربوية الغربية في علاج المسائل التربوية ذاتها التي تطرق لها ابن حزم ـ أو غيره من علماء التربية الإسلامية ـ قديمًا. وأكتفي بضرب مثال واحد للتوضيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت