لعل أبرز العقبات التي تواجه المربين والمصلحين ما يلاقونه من كلام الناس وتجهمهم وانتقاداتهم الجائرة جراء الجهالة المطبقة لدى الكثيرين منهم. والقضية هنا قضية نسبية تختلف باختلاف مفهوم التربية والإصلاح، بل باختلاف العقائد والأديان قبل كل شيء، غير أن الأمر المشترك فيها هو كونها عقبة تتكرر دائمًا ويشتكي منها (المربون) (2) إن جاز أن نطلق هذا اللفظ على كل من سلك الطريق (الإصلاحي) في المجتمع الذي يعيش فيه ـ.
فإذا تصدّى المربي المسلم لسبر هذه العقبة بعينها، وتكلّف البحث الجاد في كتب التربية لإيجاد العلاج لها فإنه يجد الفرق الواضح ماثلًا أمامه بين المفاهيم التربوية الإسلامية للعلاج وتلك المفاهيم الغربية. فإذا أخذنا ـ على سبيل المثال ـ كلام ابن حزم ـ رحمه الله ـ في تقرير العلاج فإنك تجده ينطلق في تسليته للمربي والمصلح والقائد (المسلم) من قواعد وتأصيلات (إسلامية) ثابتة مبنية على نصوص كلية من الكتاب والسنة تباين كليًا تلك القواعد والتأصيلات الغربية التي حُرّرت لعلاج هذه القضية ذاتها. ثم إنك تجد (الصدق) و (النصح) يناغمانك في طيات حديث الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ، وتطوّف بك حرارة نصائحه في محيط الحدث ذاته سبرًا وغورًا وحدودًا حتى تخرج منه وقد أرويت الغليل بوصايا هذا الإمام، بخلاف ما تجده في كثير من توجيهات ونصائح علماء التربية في الغرب ممن يراوحون حول كلام جاف (مقنن) محلىً بألفاظ آسرة، مفرّغ من الروح، بعيد عن الحدث ـ في كثير من الأحيان ـ مفتقر لتلك الحرارة الإيمانية الصادقة.
وفيما يلي عرض لجملة من هذه المفاهيم القيادية التي يستخلصها القارئ لواحد من كتب ابن حزم ـ رحمه الله ـ وهو كتاب (مداواة النفوس) الذي يعد من أواخر كتبه ـ رحمه الله ـ واستودع فيه خلاصة تجاربه ورحلاته وأظهر فيه لمحات تربوية فذة لا غنى عنها.
النبوغ والتفوق:
ينطلق ابن حزم ـ رحمه الله ـ في تعريف النبوغ والتفوق من منظورين. أولهما: تجلية مفردات الإبداع ومهاراته ومتطلباته (المادية) .. والثاني: الأخذ بمعايير الفضيلة والأخلاق اللازمة لتكوين المبدع وصياغة فكره واتجاهاته، ويرى أن تمثّل (القدوة) لمبدع في فن بذاته، أو إطلاق صفة (النبوغ) في القيادة وغيرها لا بد أن تكون وفق الموازنة بين هذين المنظورين معًا؛ بل إنه يرى ـ رحمه الله ـ أن كفة الأخلاق والفضيلة لا بد أن تنال قسطًا أكبر من اهتمام المبدع ومن تفكيره. ولذا؛ فإن معيار الحكم بالنجاح أو الإخفاق لمبدع أو آخر يعود ـ بدرجة كبيرة ـ إلى نسبة المحتوى الأخلاقي والتربوي في سيرته الذاتية.. فالنبوغ والإبداع ـ من منظور ابن حزم التربوي ـ لا يعود بالدرجة الأولى إلى تلك المهارات المكتسبة التي ربما شاركه فيها غيره من البشر، أو في تلك القدرات التي ربما شاركه فيها الحيوانات والعجماوات. ولذا يقول ـ رحمه الله ـ: (فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم