والجمادات.. وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سُرّ بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله ـ عز وجل ـ فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب أشجع منه، ومن سُرّ بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسمًا، ومن سُرّ بحمله الأثقال فيلعلم أن الحمار أحمل منه، ومن سُرّ بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدوًا منه، ومن سُرّ بحسن صوته فليعلم أن كثيرًا من الطير أحسن صوتًا منه، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته (3) ، فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه البهائم متقدمة عليه؟ لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه، وحسن عمله فليغتبط بذلك؛ فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس) (4) .
صلاح العمل:
يؤكد ابن حزم ـ رحمه الله ـ في غير ما موضع من كتبه على أن المفهوم الصحيح للعمل لا يعود إلى العمل ذاته فحسب؛ بل إن توابعه ولوازمه وشروطه لها درجة عظمى في الحكم على صلاحه أو فساده، وهو ينطلق ـ كغيره من علماء التربية الإسلامية ـ في تحديد هذه النظرة الحكيمة للعمل من قاعدة الاهتمام بإصلاح النية ـ بعد صلاح العقيدة والمنهج ـ قبل الشروع في أداء العمل، ومهما كان العمل بعيدًا فإن النية الصالحة تقرّبه، ومهما كان العمل قريبًا فإن فساد النية يبعده.
الوصول إلى الإبداع:
كما يرى ـ رحمه الله ـ أن القائد لا يولد قائدًا ولا المبدع مبدعًا كاملًا.. وأن المرة الواحدة في طريق القيادة أو الإبداع لا تكفي، إنما لا بد من الكرّة تلو الكرة واكتساب الخبرة بعد الخبرة، ولذا فإن حدوث الخطأ وتكرره في المراحل الأولى أمر مألوف جِبِلّةً ولا يُذم صاحبه بحال، حتى تصبح القيادة فيما بعد ملكة ومهارة مصقولة بكثرة التجارب والخبرات، وفي هذا يقول ـ رحمه الله ـ: (إن التجارب لا تكون إلا بتكرار الحال مرارًا كثيرة على صفة واحدة) .
أهمية الاستمرار:
وبالرغم من تأكيده ـ رحمه الله ـ على أهمية المحاولة، وضرورة اكتساب الخبرة عبر التكرار في الأداء فإنه يحذر كذلك من إهمال تهذيب النفس أو إهمال المداومة على تكرار التجارب، وأن ذلك يعد عائقًا من عوائق التربية ويؤدي إلى توقفها أو ضياع الفائدة منها، وبهذا الصدد رفع صوته بالمقولة التي باتت مثلًا سائرًا: (إهمال ساعة يفسد رياضة سنة) ! (5) .
إعداد القيادة ضرورة:
يؤكد ابن حزم على وجوب الاعتناء بالقادة والنوابغ في الأمة، ويرى أن الاعتناء بهم كفيل بصلاح أمور المجموعة، وأن لكل عمل تقوم به المجموعة درجة من الكمال توازي كمال ساستها وقادتها في الأخذ بمعايير القيادة السليمة، ويفرّق ـ رحمه الله ـ بين صلاح الفرد أو فساده في ذاته وبين إصلاحه أو إفساده في إدارة المجموعة؛ فتراه يؤكد في مواضع من كتبه ـ أن المجموعة بغير قائد