فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 780

يقودها لا يصلح لها حال، ولا يمكنها القيام بالأعمال العظيمة التي تقارب الكمال حتى ينتظم عقدها تحت قائد يقودها ويدير شؤونها، وهذا القائد لا بد أن يُعَدّ بعناية لهذه المهمة لتتكامل شخصيته وتحسن طباعه وتصرفاته؛ وهذا الإعداد المبكر يعد من الأمور اللازمة للحكم على نجاحه في القيادة أو عدمه، وكذا في العملية التربوية والتنظيمية للمجموعة بدون شتات أو تناقض أو اضطراب، ويوقفك ـ رحمه الله ـ أمام افتراضات تقريبية لهذا المفهوم ليؤكد لك أهميته فيقول: (خطأ الواحد في تدبير الأمور خير من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد؛ لأن خطأ الواحد في ذلك يُستدرك، وصواب الجماعة يُضري ـ أي: يعوّد ويُغري ـ على استدامة الإهمال.. وفي ذلك الهلاك) (6) .

فقه الاحتساب:

يقتحم ـ رحمه الله ـ علم الاجتماع ليستخرج قاعدة في بذل المعروف مفادها: أن على من تصدّى للناس بدعوتهم أو بخدمتهم ومساعدتهم وبذل المعروف لهم ألاّ ينتظر عاقبة بذله ومعروفه منهم؛ لأن ذلك عليه مدار تأليف القلوب والتأثير في الناس، وبه اتقاء الشرور من خبث نفوسهم؛ وهنا يكمن الفرق بين التربية المادية التي لا تؤمن إلا بالمصالح الوقتية والنتائج النفعية وبين التربية الإسلامية التي ترى أن إسداء المعروف والإحسان للغير بدعوتهم لا بد أن يتجرّد من كونه عملًا مشروطًا بنتائجه وعواقبه، وأن يجرّد ابتداءً وانتهاءً لله وحده، يقول ـ رحمه الله ـ: (وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك، ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه ـ وإن لم يعمدك بالرغبة ـ ولا تُشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك ـ عز وجل ـ، ولا تبنِ إلا على أن أول من أحسنت إليه أول مضرّ بك، وساعٍ عليك؛ فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون ـ لشدة الحسد ـ كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم) وهكذا الشأن في إعطاء الهبات والإعانات وإسداء النصيحة.. فكما أن المرء لا يشترط لأداء المعروف والإحسان انتظار الجزاء.. فهو كذلك لا بد مُلْزَمٌ بأداء الفضل ابتداء، وآخذٌ بأكمل الأخلاق وأرفعها، وزاهد فيما عند الناس راغب فيما عند الله. يقول ـ رحمه الله ـ: (ولا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الإجابة، ولا تهب على شرط الإثابة، لكن على سبيل استعمال الفضل، وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف) .

الكمال البشري:

ينظر ـ رحمه الله ـ إلى الإنسان الكامل في فنه ومنهجه بمنظار آخر وهو دأبه في الطلب والاستزادة والجد في تحصيل العلوم النافعة؛ إذ ليس الكمال محدودًا بشهادة يحصلها الفرد لينقطع بها عن غيرها، كما أنه ليس مجرد مهارات محدودة يمكنه تحصيلها ليكتفي بها عن مواصلة الطلب والبحث، ومتى رأيت القائد أو المربي أو الداعية قانعًا بما هو عليه من علم أو دعوة أو مهارات قيادية فإنك لن تكون مجازفًا إذا راهنت بإخفاقه بعد زمن ليس بالطويل، ولو عاين ـ رحمه الله ـ بعض أرباب (الدوالّ) في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت