... أحمد بن صالح السديس
ظهر في الناس اليوم اليأس، وفقد الكثيرون الأمل. وكانت مصائب الأمة ونكساتها، وحروبها وانهزاماتها؛ سببًا في أنْ ينظروا إلى واقعهم بعين السخط والتشاؤم، وأنْ يغضّوا الطرف عن أسباب للنصر وبشائر؛ فخارت منهم القُوى، وتمكّن منهم العِدا. وما أحوجهم إلى استنطاق التاريخ، وقراءة النصوص، ومعرفة البشائر، وليس ذلك ليركنوا للأماني، ويسلكوا درب التواكل، ولكنْ ليعدّوا القوى، ويأخذوا بالأسباب والوسائل، في عزم صادق، وجهد متواصل وفاعل، بعيدًا عن اليأس والقنوط الذي هو أول الانكسار، وبداية الانهزام، وقد يكفي العدوَّ من الغنيمة اليأسُ والانكسار؛ ذلك أنّ مَن يئس من النصر لم يعمل من أجله، ومن قنع ورضي بالذل طال لُبثه ومكوثه فيه.
لقد قضت سنة الله العليم، وتدبيرُه الحكيم، أنّ الحق والباطل في صراع وتدافع دائم، وأنّ الباطل قد يكون له في فترةٍ الفوزُ والغلب؛ ابتلاء من الله وتمحيصًا، وتربية للمؤمنين وتطهيرًا: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4] .
ومتى وُجد الكفر والفتنة فقد فُرضت الحرب والقتال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، والفتنة لن تخلو منها الأرض، بل إنّ الساعة لا تقوم إلا على شرّ الخلق.
وإنْ كانت الخصوم تبحث عن ولي لها ومعين؛ فإنّ وليَّ المؤمن أعظم الأولياء، وما خاب مَن لجأ إلى الله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] .
ولو صَفَت الحياة من المصاعب والمصائب؛ لكان ذلك لأفضل البشر وخير القرون!! لقد مرّ بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم محن وبلاء، وبأساء وضراء، كما مرّ ذلك برسل قبلهم وأنبياء، حتى تاقت نفوسهم إلى الخلاص، وتشوَّقت إلى النصر والنجاة، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] . لقد بلغ الضر والبلاء بالمؤمنين في صدر الإسلام مبلغًا عظيمًا، وامتُحنوا امتحانًا شديدًا، حتى شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الشدة، فقالوا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان مَن قبلكم؛ يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله ليَتِمنّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (1) .