... فهد بن أحمد الأسطاء
عُنِيَ السلف بالحديث عن أعمال القلوب ومعالجة أمراضها وسبل صلاحها، وتكلم العلماء عن ذلك في مواضع شتى من تآليفهم، كابن الجوزي وابن تيمية وتلميذيه ابن القيم وابن رجب ـ رحمهم الله جميعًا ـ.
ويأتي موضوع: (حسن الظن بالله) باعتباره واحدًا من أعظم أعمال القلوب التي تحدّث عنها العلماء، ولم يُفرَد ـ على أهميته ـ بمؤلف ـ فيما أعلم ـ سوى ما كتبه الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه: (حسن الظن بالله ـ عز وجل ـ) . فأحببت أن أجمع شتات الموضوع وآثار العلماء فيه، مضيفًا إليها مسائل عدة مما يتعلق بحسن الظن بالله من خلال المحاور التالية:
أولًا: مفهوم حسن الظن بالله ـ تعالى ـ:
لعله يحسن بنا قبل الشروع في بيان مفهوم (حسن الظن بالله ـ تعالى ـ) أن ننظر إلى معنى الظن لغويًا؛ حيث إنه يدل على أكثر من معنى. قال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: (الظن: التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم،(الجمع) ظنون وأظانين، وقد يوضع موضع العلم) (1) .
وفي المعجم الوسيط: (ظن الشيء ظنًا) علمه بغير يقين، وقد تأتي بمعنى اليقين. وفي محكم التنزيل العزيز: (( قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ ) ) [البقرة: 249] .
ومن هنا يتبين أن معنى الظن يدل على الشك والعلم غير المتيقن، كما أنه يدل على اليقين والعلم المتيقن، وهذا المعنى هو المراد في موضوعنا، وهو المقصود في قولنا: حسن الظن بالله. إلا أنه يُمكننا أن نعبر الآن عن مفهوم حسن الظن بالله ـ تعالى ـ بأنه: (هو ظنّ ما يليق بالله ـ تعالى ـ واعتقاد ما يحق بجلاله وما تقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا مما يؤثر في حياة المؤمن على الوجه الذي يرضي الله ـ تعالى ـ) .
ثانيًا: بيان أهمية حسن الظن بالله ـ تعالى ـ:
إن هناك أمورًا كثيرة تُشعر بأهمية هذا الأمر، وتَدفع للتحدث عنه والتنبيه عليه، ومنها:
1-أن حسن الظن بالله ـ تعالى ـ من الأمور التي أوصى بها الرسول.
ولا شك بأن سيد المرسلين ـ عليه الصلاة والسلام ـ قد دلنا وأرشدنا إلى خير ما يعلمه لنا، وحذرنا وأنذرنا من شر ما يعلمه لنا؛ ولذا فقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ـ عز وجل ـ) (2) . قال الخطابي ـ رحمه الله ـ في شرح هذا الحديث: (وقد يكون أيضًا حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو) (3) . وقال العظيم آبادي في عون المعبود: (أي لا يموت أحدكم في حال من الأحوال إلا في