فهرس الكتاب

الصفحة 740 من 780

من أسس الاجتماع السياسي الإسلامي هدم اللغة هدم للدين

لسنا في حاجة إلى أن نذكر القارئ بالارتباط الذي لا ينفصم بين الإسلام واللغة العربية، فقد شاءت إرادة المولى القدير أن تكون هذه اللغة وعاء تلك الرسالة؛ ولذلك لا تجد جامعة إسلامية تقوم على تدريس الإسلام دون أن تتوفر على قسم متخصص لدراسة اللغة العربية.

ولذلك كانت الدعوة إلى هدم اللغة العربية - عبر مزاعم شتى - في هذا العصر الحديث أخطر الدعوات الهدامة جميعا على كثرة ما حفل به هذا العصر الحديث من هذه الدعوات الهدامة؛ لأن تلك الدعوات التي تستهدف هدم الدين أو الأخلاق قد تضل جيلا من الشباب لكن يبقى الأمل في إنقاذ الجيل القادم ما بقي هذا القرآن حيا مقروءا وما دام الناس يتذوقون حلاوة أسلوبه وجمال عبارته؛ أما هذه الدعوة الخطيرة فهي ترمي إلى قتل القرآن نفسه، والحكم عليه بأن يصبح أثرا ميتا كأساطير الأولين التي أصبحت حشو لفائف البردي أو بأن يصبح أسلوبه عتيقا باليا بتحويل أذواق الأجيال الناشئة عنه وتنشئتهم على تذوق ألوان أخرى من الأساليب المستجلبة من الغرب. وبينما نجح اليهود في إحياء لغتهم العبرية الميتة واتخاذها لغة للأدب، والحياة كان بعض المفتونين من العرب ينادون بأن اللغة العربية الفصيحة أصبحت لغة ميتة.

نستطيع أن نتلمس بداية هذه الدعوة لدى رفاعة الطهطاوي (المتوفى سنة 1290هـ 1873م) إذ يدعو في كتابه"أنوار الجليل في أخبار مصر وتوفيق بن إسماعيل"إلى استعمال العامية:"التي يقع بها التفاهم في المعاملات السائرة ولا مانع أن تكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها، وأصول على حسب الإمكان تربطها ليتعارفها أهل الإقليم حيث نفعها بالنسبة لهم عميم وتصنف فيها كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية".

وفي عام 1881م اقترحت صحيفة (المقتطف) لصاحبها فارس نمر كتابة العلوم بلغة الحديث، ودعت رجال الفكر إلى بحث هذا الاقتراح ومناقشته. ثم هاجت المسألة مرة أخرى في أوائل عام 1902م حين ألف أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية في مصر من الإنجليز - وهو القاضي ولمور- كتابا عما سماه لغة القاهرة وضع لها فيه قواعد واقترح كتابتها بالحروف اللاتينية واتخاذها لغة للعلم والأدب. فتنبه الناس له حين أشادت به المقتطف؛ فحملت عليه الصحف مشيرة إلى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تقصد إلا إلى محاربة الإسلام في لغته، وكتب حافظ إبراهيم في ذلك الوقت قصيدته المشهورة"اللغة العربية تتحدث عن نفسها".

وثارت المسألة من جديد حين دعا إنجليزي آخر - كان مهندسا للري في مصر - وهو السير وليم ولكوكس سنة 1926م إلى هجر اللغة العربية، وخطا بهذا الاقتراح خطوة عملية فترجم أجزاء من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت