الإنجيل إلى ما سماه"اللغة المصرية"، ونوّه سلامة موسى بالسير ولكوكس وأيده، فثارت لذلك ثائرة الناس من جديد وعادوا لمهاجمة الفكرة، والتنديد بما يكمن وراءها من الدوافع السياسية؛ ولكن الدعوة استطاعت أن تجتذب نفرا من دعاة الجديد هذه المرة فاتخذوا القومية والشعبية ستارا لدعوتهم حين كان لمثل هذه الكلمات رواج وبريق، وحين كان الناس مفتونين بكل ما يحمل هذا العنوان في أعقاب ثورة شعبية تمخضت عن"الفرعونية"، وحين كانوا يتحدثون بما صنع الكماليون في تركيا من استبدال الحروف العربية باللاتينية، وترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وتحريم تدريس العربية في غير معاهد دينية محدودة وضعت تحت الرقابة الشديدة وقد مضوا بعد ذلك في مطاردة الكلمات العربية الأصلية ينفونها كلمة بعد كلمة.
ثم بدا أن الدعوة آخذة في الانتشار حيث اتخذت اللهجة السوقية في المسرح الهزلي (فرقة الريحاني أثناء الحرب الكبرى الأولى) ثم انتقلت إلى المسرح الجدي حين تجرأت عليه وقتذاك فرقة تمثيلية تتخذ لها اسما فرعونيا وهي فرقة"رمسيس"فوجدت مسرحياتها إقبالا ولقيت رواجا عند الناس، وظهرت الخيالة (السينما) من بعد فاتخذت هذه اللهجة، ولم يعد للعربية الفصحى وجود في هذا الميدان. ثم جاءت الإذاعة المرئية (التلفزيون) فكرست هذا الاتجاه إلى إقصاء العربية الفصحى، ثم ظهرت هذه اللهجة السوقية التي تسمى بالعامية في الأدب المكتوب، فاستعملها كثير من كتاب القصة في الحوار، ولا يزال دعاتها يمكنون لها في هذا الميدان ويجدون في ذلك جاهدين.
ولم يكن هذا هو كل ما كسبته الدعوة الجديدة التي روج لها الإنجليز وعملاؤهم. ولكن أعجب ما ظهر من ذلك في هذه الفترة وأغربه مما لا يخطر على البال؛ هو أن هذه الدعوة قد استطاعت أن تتسلل متلصصة إلى الحصن الذي قام لحماية اللغة العربية الفصحى المسمى"مجمع اللغة العربية"، فظهرت في مجلته الناطقة باسمه سلسلة من المقالات عن"اللهجة العربية العامية"كتبها عضو من أعضاء هذا المجمع اسمه عيسى إسكندر المعلوف (ما بين شعبان 1353 إلى شعبان 1356هـ - أكتوبر/تشرين أول 1934م إلى أكتوبر/تشرين أول 1937م) . وإن مما يدعو إلى العجب حقا أن يختار المجمع لعضويته رجلا معروفا بعدائه الصريح للعربية، وهو عداء عريق ورثه عن أبيه إسكندر المعلوف الذي أعلنه وجهر به من قبل في مقال نشرته له الهلال عام 1902م دافع فيه عن اللهجات العامية، وختمه بقوله:"وما أحرى أهل بلادنا أن ينشطوا من عقالهم طالبين التحرر من رق لغة صعبة المراس قد استنزفت أوقاتهم وقوى عقولهم الثمينة، وهي مع ذلك لا توليهم نفعا بل أصبحت ثقلا يؤخرهم عن الجري في مضمار التمدن، وحاجزا يصدهم عن النجاح". [1] بل إن من أعضائه مستشرقون معروفون بصفتهم الاستعمارية منهم الإنجليزي جب. وليس هذا هو كل ما يدعو إلى العجب من أمر هذا المجمع فقد تقدم عضو من أبرز أعضائه وهو عبد العزيز فهمي - ثالث الثلاثة الذين بني عليهم الوفد المصري عام 1924، والذي أطلق اسمه على أحد خطوط (المترو) في القاهرة