-تقدم باقتراح لكتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه عدة جلسات امتدت خلال ثلاث سنوات ونشر في الصحف، وأرسل إلى الهيئات العلمية المختلفة، وخصصت الحكومة جائزة مقدارها ألف جنيه لأحسن اقتراح في تيسير الكتابة العربية.
ألا يدعو هذا إلى التساؤل: هل أنشئ هذا المجمع لينظم جهود حماة اللغة العربية أم أنشئ ليكسب الهدم والهدّامين صفة شرعية؟ أليس يرضى الاستعمار عن مثل اقتراح المعلوف واقتراح عبد العزيز فهمي؟ أليس يرضى عنه العضو الإنجليزي الموقر جب؟ الذي يقرر في كتابه"إلى أين يتجه الإسلام؟"عند كلامه عن الوحدة الإسلامية أن من أهم مظاهرها الحروف العربية التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي، واللغة العربية هي لغته الثقافية الوحيدة، والاشتراك في كثير من الكلمات الاصطلاحية العربية الأصل. أليس يرضى عنه الاستعمار الفرنسي الذي حارب العربية الفصيحة في شمال أفريقية أعنف حرب وضيق عليها أشد التضييق ووضع مستشرقوه مختلف الكتب في دراسة اللهجات البربرية وقواعدها لإحلالها محل اللغة العربية الفصيحة؟.
يصف الدكتور حسين الهراوي تقريرا من لجنة العمل المغربي الفرنسية وقع في يده فيقول:"فرأيت هذا التقرير يتبع السياسة الاستعمارية، ويصف مقاومة الإسلام والتقارير السرية التي يرسلها المستشرقون في البلاد المستعمرة إلى حكوماتهم لمقاومة الإسلام؛ لأن روحه تتنافى مع الاستعمار، وأن أول واجب في هذا السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها بإحياء اللهجات المحلية في شمال أفريقية، واللغات العامية حتى لا يفهم المسلمون قرآنهم ويمكن التغلب على عواطفهم. [2] أليس يرضى عنه المستشرق الألماني كامفماير الذي يقرر في شماتة أن تركيا لم تعد بلدا إسلاميا فالدين لا يدرس في مدارسها وليس مسموحا بتدريس اللغة العربية أو الفارسية في المدارس؟ ثم يقول:"لأن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية"."
على أن حجج أعداء اللغة العربية على كل حال لا تتجاوز الكلام عن صعوبة تعلم اللغة العربية من ناحية، والقول بعجزها عن تأدية أغراضها الأدبية أو العلمية من ناحية أخرى. وربما أضيف إلى هذين السببين سبب ثالث أكثر دعاة الفرعونية من الكلام عنه في مطلع القرن العشرين وهو تمصير اللغة: فاللغة الفصحى على حسب تعبير أحدهم:"تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية؛ فالمتعمق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد؛ بدلا من أن يشرب الروح المصرية ويدرس تاريخ مصر". والمعروف أن أول من دعا إلى تمصير اللغة هو أحمد لطفي السيد الملقب بأستاذ الجيل، ومن أعجب العجب أن لطفي السيد هذا أصبح فيما بعد رئيسا لمجمع اللغة العربية. [3]
لقد خفتت هذه الدعوة الآن في أواخر هذا القرن العشرين؛ لكن مستوى اللغة العربية آخذ في الانحطاط لدى الناطقين بها، والعمل على تقويض دعائمها مستمر من طريق خفي؛ ففي مصر مثلا