فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 780

... سلمان بن عمر السنيدي

تلقِّي النصوص الشرعية لتنفيذ ما فيها من أوامر وتطبيق ما فيها من أحكام من سمات التربية الجادة التي تُفترض في أفراد الأمة الإسلامية. وهذه السمة تحتاج إلى رصيد من الإيمان القوي والتربية الزاكية. ولقد دلت النصوص الشرعية على أهمية هذه السمة في أكثر من آية وحديث؛ فمن ذلك قوله ـ تعالى ـ: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ) [الأحزاب: 36] وقال ـ تعالى ـ: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) [النساء: 65]

ولقد ابتلى الله صحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بآية في كتاب الله وقفوا منها موقف المتلقي للتنفيذ المشفق على نفسه من القصور، مع شعور قوي بمسؤولية الأمانة تجاه أنفسهم في تلقي أحكام النصوص الشرعية فظنوا أنهم عاجزون عن العمل بمقتضاها، فراجعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها إشفاقًا على أنفسهم لا اعتراضًا؛ ومع ذلك سمعوا وأطاعوا؛ فنسخ الله حكمها وبقي لفظها. وكم من سامع لها بعدهم ممن لا يحمل همّ التلقي للتنفيذ يمر عليها لا يحسب لها حسابًا، ولا يقف عندها بل يستوي الأمر عنده: أنسخت الآية، أم لم تنسخ!

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: لما نزلت على رسول الله: (( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) [البقرة: 284] قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله! كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والجهاد والصدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها: (( آمََنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ ) ) [البقرة: 285] . فلما فعلوا ذلك نسخها الله ـ تعالى ـ فأنزل ـ عز وجل ـ: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطًَانَا ) ) [البقرة: 286] (قال: نعم) (( رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِنَا ) ) (قال: نعم) (( رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) ) (قال: نعم) (( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ ) ) (قال: نعم) (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت