... د. عمر النمري
تلتقي نظريات علم النفس الحديث مع الإسلام في أن العقوبة أمر مشروع لمن لم تُفد معه الأساليب التربوية الأخرى كالمدح والثناء في وضع حد للسلوك الخاطئ وإطفائه؛ ذلك أن بعض الناس لا يرتدعون إلا بالعقوبة؛ وقد جاء في الأثر: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) .
والإسلام يُجيز العقوبة ويشرّع لها؛ ولذلك وضع عقوبات وحدودًا معينة لبعض الجرائم الأخلاقية: فجريمة القتل حدها القتل، وجريمة السرقة حدها قطع اليد، وجريمة شرب الخمر حدها الجلد، وكذلك جريمة الزنا لغير المحصن حدها الجلد أيضًا.
وهكذا نجد في القرآن الكريم تفاصيل هذه الحدود بما لا يدع مجالًا للشك؛ قال ـ تعالى ـ في حد القتل: (( وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأََلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) [البقرة: 179] . فجعل حياة المجتمع وقفًا على موت بعض أفراده السيئين قطعًا لجذور الفساد وردعًا لمن تسول له نفسه القيام بذلك جزاء وفاقًا.
وقال في حد السرقة: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) [المائدة: 38] .
وقال في حد الزنا: (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تًَاخُذْكُم بِهِمَا رًَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ ) ) [النور: 2] .
وقال ـ تعالى ـ في جواز ضرب الرجل زوجته ضربًا غير مبرح: (( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًا كَبِيرًا ) ) [النساء: 34] .
وفي تأديب الصبي وجواز ضربه على إهمال الصلاة إذا بلغ عشرًا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) (1) .
وهكذا يتبين لنا من هذه الأدلة أن الإسلام يجيز مبدأ العقاب ويشرع له، ولذلك لا نجد من التربويين المسلمين الأوائل من أنكر مبدأ العقاب في التربية؛ ولكنهم أحاطوه بسياج من الشروط والقيود، وجعلوه تاليًا للمدح، وقدموا عليه الرفق؛ عملًا بقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) (2) .
وعن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) (3) .