فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 780

ونجد من بين التربويين الأوائل الذين تكلموا في هذا الموضوع: الإمام الفقيه محمد بن سحنون (ت 256هـ) ، وأبا الحسن القابسي (ت 324 هـ) ، وابن الجزار القيرواني الطبيب (ت 369هـ) ، والغزالي (ت 505 هـ) ، وبرهان الدين الزرنوجي (ت 640 هـ) ، وابن جماعة الكناني (ت 733هـ) وابن خلدون (ت 808 هـ) وغيرهم.

قال ابن سحنون: (ولا بأس أن يضربهم ـ يعني المؤدب أو المعلم ـ على منافعهم، ولا يتجاوز بالأدب ثلاثًا إلا أن يأذن الأب في أكثر من ذلك إذا آذى أحدًا، ويؤدبهم على اللعب والبطالة، ولا يجاوز بالأدب عشرًا، وأما على القرآن فلا يجاوز أدبه ثلاثًا) (4) .

ويعلل ابن سحنون ذلك بقوله: (لأن عشرة غاية الأدب؛ وكذلك سمعت مالكًا يقول: وقد قال -صلى الله عليه وسلم-:(لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط إلا في حد) .

وقد جاء في وصية ابن سحنون لمعلم ولده: (لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، وليس هو ممن يؤدّب بالضرب والتعنيف) (5) .

ويلتقي أبو الحسن القابسي مع ابن سحنون في ضرورة الرفق بالصبيان وعدم تجاوز الثلاثة في التأديب، وإنما يلجأ إلى الضرب فقط عندما لا ينفع العذل والتقريع بالكلام الذي فيه التوعد من غير شتم ولا سب لعِرْض، يقول أبو الحسن القابسي: (وإذا استأهل الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث، فليستعمل اجتهاده لئلا يزيد رتبة فوق استئهالها، وهذا هو أدبه إذا فرّط فتثاقل عن الإقبال على المعلم، فتباطأ في حفظه، أو أكثر الخطأ في حزبه، أو في كتابة لوحه.

ولئن سمح القابسي للمعلم بمعاقبة التلاميذ بهذا القدر من الضرب إلا أنه علّق ذلك على مدى استئهال التلميذ لذلك، وقيّده بثلاثة، واشترط في تجاوز الثلاثة إلى العشرة مشورة أبي الصبي أو ولي أمره ومدى احتمال الصبي للضرب فوق الثلاثة إذا استأهل ذلك، وألا يتعدى أثر الضرب الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن المُضِر. وعلى الجملة: فالمعلم عنده عوض عن الأب بالنسبة للصبيان (فهو المأخوذ بأدبهم، والناظر في زجرهم عما لا يَصْلح لهم، والقائم بإكرامهم على مثل منافعهم؛ فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجهم ذلك من حسن رِفْقه بهم، ولا من رحمته إياهم؛ فإنما هو لهم عوض من آبائهم) (6) ويعلل القابسي ذلك بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به) (7) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) (8) .

وقد تحدث ابن الجزار القيرواني الطبيب عن الفرق بين الصبيان في مدى قبولهم للأدب؛ إذ منهم من يتقبل الأدب قبولًا سهلًا، ومنهم من لا يقبل ذلك، ومنهم من إذا مُدِحَ تعلم علمًا كثيرًا، ومنهم من يتعلم إذا عاقبه المعلم ووبخه، ومنهم من لا يتعلم إلا إذا استعملت معه أساليب أشد تعنيفًا كالضرب مثلًا. ولذلك قرر ابن الجزار مراعاة هذه الفروق الفردية، واتباع الأسلوب المناسب لتأديب كل صبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت