... د. أسامة مشعل
من نظر في حياة المسلمين في جانبيها العبادي والسلوكي وجد تناقضًا واختلالًا بين ما يجب أن يكون متلازمًا ومتناغمًا.
ففي الجانب العبادي: المساجد تغص بالمصلين، والصائمون في رمضان أكثر من المصلين، ومؤسسات استقبال الزكاة كثيرة ومتنوعة، وعدد الحجاج يزيد عن ثلاثة ملايين كل عام.
وفي الجانب السلوكي: انتشر الكذب والغيبة والنميمة والغش وقول الزور، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، والتعامل بالربا، وتكشُّف النساء... إلخ.
ونظرًا لما للتلازم بين العبادة والسلوك من أثر في إصلاح الفرد الذي هو اللبنة الأولى في إصلاح المجتمع وبنائه؛ ولما لذلك من علاقة في تغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة والمؤسسات قال الله ـ تعالى ـ: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} [الرعد: 11] ؛ ولأن هذا التلازم كذلك يتعلق بجهاد النفس المقدم على جهاد العدو، والمسلم إذا لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أُمِرت به، وتترك ما نُهيت عنه، ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، وبإصلاح الفرد بدأ الأنبياء والمرسلون، وفي مقدمتهم نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.
من أجل ذلك وغيره فإن دراسة ظاهرة التناقض بين العبادة والسلوك في غاية الأهمية.
إن التساؤلات حول هذه الظاهرة كثيرة، ومن أبرزها: ما معنى هذا التناقض؟ وما هي أهمية هذا الموضوع؟ وما هي حقيقة العلاقة بين العبادة والسلوك؟ وما أدلتها؟ ما النماذج والصور الواقعية التي توضح هذا التناقض؟ ما الأسباب الرئيسية لهذا التناقض؟ ماالعلاج لهذا التناقض؟
` أولًا: معنى التناقض بين العبادة والسلوك:
التناقض لغة (1) : الإفساد أو الهدم أو الإبطال أو المخالفة والمعارضة.
العبادة لغة (2) : الشعائر التعبدية: كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
السلوك لغة (3) : سيرة الإنسان: تصرفات الإنسان القولية والفعلية.
وبناء على ذلك يصبح معنى التناقض بين العبادة والسلوك: مخالفة الأصل الذي هو التلازم والانعكاس المتبادل بين العبادة والسلوك سلبًا أو إيجابًا، وإبطال السلوك السلبي لأجر أو قبول عند الله.
` ثانيًا: أهمية موضوع التناقض بين العبادة والسلوك:
تعود أهمية هذا الموضوع إلى أسباب اختياره، ومن أبرزها:
1 ـ انتشار هذا التناقض في حياة كثير من المسلمين.