فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 780

... محمد بن عبد الله الدويش

إن المتأمل في التعليم السائد اليوم ـ سواءً أكان على مقاعد الدراسة، أو حتى في حلق العلم ودروس المساجد ـ يرى أن هناك إهمالًا عند الكثيرين في العناية بتعليم الرقائق والأدب والسلوك، وأنهم شغلوا كثيرًا بتعليم المسائل والخلافيات وآراء الرجال، وصار الحديث في هذه القضايا غالبًا من اختصاص الوعاظ القصاصين وحدهم، لذا: غلبت علينا قسوة القلب، وفعلت الأهواء بنا ما فعلت إلا من رحم ربك.

وهذه إشارات عاجلة تؤكد أهمية العناية بهذا الجانب من العلم، وضرورة تقريره ضمن منهاج التعليم، إن كنا نريد أن تُخرِج لنا هذه البرامج علماء ربانيين.

إن هذا المطلب الملح تدفع إليه الحقائق الآتية:

أولًا: طالب العلم داعية ومعلم بفعله قبل قوله:

إن طالب العلم وهو يسعى لنشر الخير والعلم لدى الناس، لا يقف دوره على مجرد تبليغ المسائل بقوله، بل يجب أن يرى الناس ذلك من خلال سلوكه وسمته.

لهذا قال أبو العالية: (كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه: نظرنا إلى صلاته، فإن أحسن الصلاة أخذنا عنه، وإن أساء لم نأخذ عنه) (1) .

بل كان السلف يعدون تعلم هدي العالم وسمته مطلبًا أعلى من تعلم المسائل، قال إبراهيم: (كنا نأتي مسروقًا فنتعلم من هديه ودله) (2) .

وقال ابن سيرين: (كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم) (3) .

وروى ابن المبارك عن مخلد بن الحسن: (نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من حديث) (4) .

وأوصى حبيب الشهيد (وهو من الفقهاء) ابنه، فقال: (يا بني: اصحب الفقهاء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم؛ فإنه أحب إليّ من كثير من الحديث) (5) .

فكم يترك طالب العلم أثرًا على تلامذته، وعلى عامة الناس من خلال هديه وسمته، وسلوكه وعمله، بل وكم يمحو الخلل في سلوكه الكثير الكثير مما يدعو الناس إليه بقوله.

ثانيًا: عوائق في وجه طالب العلم:

يتعرض طالب العلم لمزالق خطيرة وعوائق تعرض له كما تعرض لسائر الناس، بل ربما كانت في حقه أخطر، ومنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت