هذا العصر وما آلوا إليه من خمول وكسل، وما أصبحت تدور عليه اهتماماتهم وأهدافهم، ومستوى تفكيرهم لكانت أولى سهامه في هذا الباب موجهة إليهم بالنقد والتعيير؛ إذ هم أوْلى بالتبكيت من المقلدة، أو مجتهدي المذاهب ومتعصبيها!!
يقول ـ رحمه الله ـ: (الإنسان الكامل هو الذي لا ينفك طالب علم ما تردد في رئتيه نفس) وذلك لأن طريق التربية وتهذيب السلوك طويل يبدأ مع الإنسان طفلًا ثم يتدرّج به حتى الوفاة.
التأثير والتأثر:
الحياة تدور بين الأخذ والعطاء والسلب والإيجاب، وبين هذا وذاك يتوزع الناس في أي زمان ومكان. والقائد أو الداعية الناجح مطالب قبل غيره أن يكون عضوًا عاملًا فعّالًا في مجتمعه، وأن يكون عنده إنتاج يحتاج إليه الناس ويفيدون منه، كما أنه ينتفع بما عندهم كذلك من أمور الحياة. إن حب التعاون والتكامل والسعي في إيصال الخير لهم وهدايتهم إلى الطريق الصحيح والتزام منهج الله ـ تعالى ـ إن كل ذلك وغيره مجالات خصبة يمكن أن ينفع بها القائد أو المربي غيره، وبدونها سيصبح خاملًا عالة على غيره في أموره الحياتية التي يحصل عليها، ولا يملك شيئًا من العطاء أو النفع في المقابل.. وهذا الصنف من الخاملين هم الذين يَعجب منهم ابن حزم ـ رحمه الله ـ: تخور قواهم وتضعف عزائمهم وهممهم؛ في حين تجد أرباب الصناعات والحرف أعظم منهم خطرًا وأكثر نفعًا فيقول: (إن من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة. أما يرى الحرّاث كيف يحرث له، والطحان يطحن له، والنساج ينسج له، والخياط يخيط له، والجزار يجزر له، والبنّاء يبني له، وسائر الناس كل متولّ شغلًا له فيه مصلحة، وبه إليه ضرورة؟ أفما يستحيي أن يكون عيالًا على كل العالم لا يعين هو أيضًا بشيء من المصلحة؟!) .
العلم.. التعليم.. التخصص:
يوجه ابن حزم ـ رحمه الله ـ إلى ضرورة الإلمام بعلم الشريعة وبأصول المعتقد لكل قائد أو مبدع بالإضافة إلى إلمامه بتخصصه وسعة اطلاعه فيه. وتجده يعيب بشدة ذلك المربي القدوة أو القائد الموجه أو المبدع الماهر الذي يفتقر للثقافة الإسلامية العامة ـ إن صح التعبير ـ ولأصول الإسلام التي لا يُعذر أحد في الجهل بها، ومن نظرته الخاصة في العلوم والفنون يحذّر ـ رحمه الله ـ من أن يحصر الإنسان نفسه في معين تخصصه وفنه فحسب؛ لأنه متى ما جف نبع ذلك المعين أو ترحّل عنه لأي طارئ أوشك أن يشابه صنوف الجهال ـ على حد تعبيره ـ وأن يقارب العامة والدهماء. وفي هذه الوصية نصح ظاهر وغيرة واضحة، وبخاصة إذا علمنا أن الدعاة والمربين والموجهين هم أول المعنيين بها؛ ذلك أن القدوة الذي ينظر إليه، ويحتذى به لا بد أن يوطن نفسه أن تكون قامته أعلى من قامة من يقوم بتوجيههم وتربيتهم وقيادتهم، لا قامة الطول المحسوس أو هيبة (التصنّع الكاذب) وإنما قامة