العلم والأخلاق والأدب، وحسن السياسة والتدبير، وسعة الاطلاع وكريم السجايا والإلمام بواقع الحال!
ولذا تجد ابن حزم ـ رحمه الله ـ يؤكد ـ في سبيل تحقيق ذلك ـ على وجوب التأصيل العلمي منذ الصغر وعلى التدرج في نيل العلوم واحدًا تلو الآخر وهو مراده من (لوازم التعلّم) ، والبدء به مرحلة مرحلة وفنًا فنًا، مبتدئًا ـ بطبيعة الحال ـ بإقامة الحروف، ثم تعلّم اللغة، فحفظ القرآن، ثم مطالعة السنة، ثم اللغة والأدب والنحو ليقيم لسانه.
ولتحصيل جواهر الثقافة والمعرفة يوصي بشيء من شعر الحكمة، والرياضيات، وهندسة الفلك والشروع إلى علم التاريخ وتراجم الرجال للاعتبار، وما لا يجوز جهله من علم الطب ومما يحفظ الصحة! بل إنك لا تجده يحصر حد الطلب، ومفهومه على العلوم والفنون النظرية، وإنما يستحث على العمل والكسب ومزاولة المهن أو الاتجار لتحصيل المال ولطلب الرزق، فيقول ـ رحمه الله ـ: (فإذا بلغ المتعلّم هذا المبلغ من الثقافة العامة ـ مما سبق ذكره ـ فلا بد عليه أن ينصرف إلى ما يحصّل به عيشه من صناعة أو تجارة أو زراعة أو تعليم، أو إذا شاء إلى التخصص في علم من العلوم والتعمق فيه) وهذا من باب الزهد فيما عند الناس ولئلا يكون الفرد عالة على غيره وبخاصة أرباب الدعوة والتربية. ومع تأكيده على أهمية التخصص ـ فيما بعد ـ فإنه يؤكد كذلك على أهمية الاطلاع على مفاتيح العلوم وفرائد الفنون.. ويحذّر من الذوبان في خبايا التخصص عبر الولوغ في مداخله وشوارده التي ربما لم يفد منها ولم ينفع بها غيره في معترك الحياة بقوله: (ومن اقتصر على علم واحد لم يطالع غيره أوشك أن يكون ضُحكة، وكان ما خفي عليه من علمه الذي اقتصر عليه أكثر مما أدرك منه؛ لتعلّق العلوم بعضها ببعض) .
ولا يفوته ـ رحمه الله ـ أن يوجه أنظار من انقطعوا عن تعليم الناس وتوجيههم وتربيتهم لعذر التحصيل أو لسبب الاستزادة من العلوم تاركين السواد سادرين في جهلهم وغفلتهم فيقول: (ومن طلب الاحتواء على كل علم أوشك أن ينقطع وينحسر ولا يحصل على شيء، وكان كالمحضر(المسرع) إلى غير غاية؛ إذ العمر يقصر عن ذلك. وليأخذ من كل علم بنصيب مما به ضرورة إلى ما لا بد له منه، ثم يعتمد العلم الذي يسبق فيه بطبعه وبقلبه وبحليته فيستكثر منه ما أمكنه) إلى آخر كلامه ـ رحمه الله ـ في هذا الباب.
الفضائل ثمرة العلم:
وضابط تحصيل العلوم وتكميلها ـ ما أمكن السبيل لذلك ـ ألا يُفوّت علم الكتاب والسنة، وأن يضرب فيهما بسهم؛ إذ فيهما الخير كله والفضائل كلها. والقاعدة في ذلك يلخصها ابن حزم ـ رحمه الله ـ بقوله: (من جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمر الله به ورسوله؛ فإنه يحتوي على جميع الفضائل) وعلى هذا يمكننا تفسير موقفه المتشدد من المقلدة، وتحذيره من الجمود والتحجر