وإغلاق بصائر العقل وأنوار حكمته فيقول ـ رحمه الله ـ: (المقلّد راضٍ أن يغبن عقله، ولعله مع ذلك يستعظم أن يغبن ماله فيخطئ في الوجهين معًا) .
العلم للعمل:
الواقع والمثال وجهان لعملة واحدة في حياة المسلم، وبخاصة في حياة أرباب القيادة والدعوة والتربية. ويتمثل ذلك في عدم التناقض بين المعلومات والمفاهيم النظرية وبين الواقع العملي الذي يعيشه الفرد ويمارسه. وتحذيرًا من ذلك التناقض في حياة المربين والقادة يؤكد ـ رحمه الله ـ على ضرورة العمل بالعلم، وعلى أهمية التطبيق العملي للعلوم والتحلي بها ويذم ـ تبعًا لذلك ـ كل متكلّف علمًا لا يفيد منه أو فنًا ليس له به حاجة غير الاستكثار والتشبع، فيقول ـ رحمه الله ـ: (من أخذ من كل علم ما هو محتاج إليه ـ أي ابتعد عن التكلّف والاستزادة التي لا طائل من ورائها ـ، واستعمل ما علم كما يجب، فلا أحد أفضل منه؛ لأنه حصل على عز النفس وغناها في العاجل وعلى الفوز في الآجل) .
الإنصاف يحتاج إلى فراسة:
ومن خلال تجاربه في معترك الحياة يرشد ـ رحمه الله ـ كل من أخذ على نفسه سياسة الناس وتربيتهم إلى ما سيتعرض له من تجارب تستوجب منه أن ينصب لنفسه ميزانًا يحكم به بالقسط ويزن الأعمال والأقوال بالحق، فلا ينبهر بظواهر الناس، ولا يأخذهم بالظنة أو الوهم.. وهذا مراده من قوله ـ رحمه الله ـ: (ينبغي للعاقل ألا يحكم بما يبدو إليه من استرحام الباكي المتظلّم وتشكّيه، وشدة تلوّيه وتقلّبه وبكائه) حتى قوله: (وهذا مكان ينبغي التثبت منه، ومغالبة ميل النفس جملة، ولا يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها، ولكن يقصد الإنصاف لما يوجبها الحق على السواء) .
يضيع من العمر قدر ما يضيع من الفرص:
ورديفُ التجارب في التكرار تتابعُ الفرص التي لا يمكن تعويضها، ولربما تفاوت حجم الفرصة وعظيم قدرها من زمن لآخر ومن مكان لآخر؛ غير أن الفرص جميعًا تشترك في كونها نادرة الوقوع، وثمينة الأثر إذا أحسن صاحبها الإفادة منها، وكثيرًا ما أرشد ابن حزم ـ رحمه الله ـ إلى وجوب استغلال هذه الفرص والحذر من تضييعها، ويشير مرارًا إلى كثرة الفرص التي تضيع على أولئك العظماء والقادة والدعاة، وهو يؤكد لك باليقين أن (لكل شيء فائدة) ينبغي عدم الذهول عنها، ويضرب مثلًا عجيبًا يتعلق بنظرة المبدع والقائد لكل ما يحيط به، وكيف يمكنه تحويل الخسائر الظاهرة إلى فرص سانحة لا تُعوّض، يقول ـ رحمه الله ـ: (لكل شيء فائدة؛ ولقد انتفعتُ بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، وهي أنه توقّدَ طبْعي، واحتدمَ خاطري، وحمي فكري، وتهيّج نشاطي، فكان ذلك سببًا إلى تواليف عظيمة المنفعة، ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم كامني ما انبعثت تلك التواليف) .
نفسك غالية... لا تبذلها إلا لله: