ومن فرائد هذه اللمحات عناية ابن حزم ـ رحمه الله ـ كغيره من علماء السلف ـ رحمهم الله جميعًا ـ بتكوين الشخصية الإسلامية الفريدة عبر إذكاء روح العزة والثقة بالله، وعدم الرضا بإذلال النفس أو بذلها في الحقير من الأعمال والفنون والمقاصد، وبعث الهمة إلى معالي الأمور وعظيمها؛ تزهيدًا بالسفاسف والترهات التي تقتل المواهب وتئد الطاقات والهمم، ولذا فأنت تجد أن إذكاء شعور العزة في النفس، والثقة ـ بعد الله ـ بالطاقات والمواهب والملكات، وحسن التدبير وغيرها من الصفات اللازمة لكل مبدع أو قائد أو مربّ تلح على ابن حزم ـ رحمه الله ـ وغيره من عظماء التربية الإسلامية على تحذير من يتصدى لسياسة الناس وتوجيههم من بذل النفس أو صرف ماء الوجه في أمر حقير أو متاع زائل يذهب بمكانتهم عند الناس؛ لأن مقامهم عزيز ومعدنهم لا بد أن يكون ثمينًا؛ فلا يحل مساومته بعرض رخيص مهما كان، أو بمقصد حقير هو من مقاصد أولي الهمة الدنيا من الناس، فيقول ـ رحمه الله ـ: (لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله ـ عز وجل ـ، وفي دعاء إلى الحق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك ـ تعالى ـ، وفي نصر مظلوم) ، ولهذا فإنّ حدّ (العاقل) في هذا المفهوم التربوي عنده ـ رحمه الله ـ هو من: (لا يرضى لنفسه ثمنًا إلا الجنة) (7) .
الهوامش:
(1) سير أعلام النبلاء، 18/201.
(2) نحن بحاجة لتحديد مفهوم التربية من جديد وفق مصطلحات الشرع الذي لم ترد فيه هذه اللفظة إلا في معرض التربية البدنية في قوله ـ تعالى ـ على لسان فرعون لموسى: (( أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ) ) [الشعراء: 18] ولم يذكر القرآن هذا المفهوم الذي نتداوله اليوم إلا بلفظ التزكية كما في قوله ـ تعالى ـ: (( يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنََا وَيُزَكِّيكُمْ ) ) [البقرة: 151] وقوله: (( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ) ) [الشمس: 9] وغيرها من الآيات.
* نختلف مع الكاتب في هذا ـ فقد ورد في تفسير قوله ـ تعالى ـ (( وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِِيِّينَ... ) ) [آل عمران: 79] قول ابن عباس: (الربانيون الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره) ـ • ـ.
(3) على أنها محرمة بطبيعة الحال.. فالتفضيل هنا في ميزان المقارنة فحسب! ولا عبرة لنا بالمعنى الآخر.
(4) مداواة النفوس، ص 57.
(5، 6) المرجع السابق نفسه، ص 82.
(7) يمكن الرجوع لاستخلاص مثل هذه اللمحات التربوية لهذا الإمام من مؤلفاته العديدة ومن كتب أخرى عنيت بهذا الشأن منها الدراسة التي قدمها الأستاذ/ سعيد الأفغاني إلى مكتب التربية العربي