فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 780

إنّ إحجام مَنْ يُحجم عن أداء واجبه لا يسقط وجوب الواجب، ونكوص من ينكص من أهل المسؤولية لا يُحلّ لغيره النكوص، ولا يُبطل ذلك ولا يقدح فيه ما يكون بين درجات المسؤولية ومستوياتها من التكامل والتكافل وصِلات التأثّر والتأثير، بل الحق الذي لا ريب فيه أنّ فشل الأفشال ونكول الناكلين ما هو في أعراف المجاهدين الصابرين إلا دوافع إلى مزيد من الصبر والثبات:

ومَن تكن العلياء همّة نفسه فكلّ الذي يلقاه فيها مُحبّبُ

والنفوس الكبيرة تثق بفضل ربها وقدرته ورحمته، أكثر مما تثق بالقوى الخاصة والظروف المحيطة، وطاعة الله ـ تعالى ـ حقّ على الفرد والمجتمع وإن كثرت الأعباء وثقلت التكاليف، وبلوغُ الهدف ـ كما يقول الدكتور محمد عبد الله دراز ـ رحمه الله تعالى ـ يتطلب تأسيس العمل على نيّة تستهدف أعلى درجات الكمال المستطاع، وإلا كان التوقف والتهافت والنكوص؛ ولذا يأمرنا القرآن الكريم بأن نجاهد في الله حقّ الجهاد، وأن ننشد الأفضل، ونُسابق على المراتب الأولى، ويأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نقنع ونرضى بما قسم الله لنا من نعيم الدنيا، وأن نسمو إلى مَنْ هم أَسْمى منا في مضمار التقوى والعمل الصالح. يقول: (خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله لا شاكرًا ولاصابرًا: مَنْ نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه، كتبه الله شاكرًا صابرًا. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منها لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا) (3) .

ومن الثابت قطعًا أنّ الله ـ تعالى ـ لم يكلّف نفسًا إلا وسعها، ولم يأمرها إلا بما تستطيع؛ ولكن الوُسْعَ في قوله ـ تعالى ـ: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا ) ) [البقرة: 286] ، والاستطاعة في قوله ـ عز وجل ـ: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ) [التغابن: 16] لا يدل أيّ منهما على تكليف الفرد أو الجماعة ببذل أدنى الجهد؛ بل كلاهما دليل على التكليف ببذل أعظم الجهد، وهذا ظاهر في كلمة (( وسْعَهَا ) ). قال الرازي: [والوُسْع والسّعة بالفتح الجدة والطاقة، وأَوْسَع الرجل صار ذا سَعَة وغنى ومنه قوله ـ تعالى ـ: (( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإنَّا لَمُوسِعُونَ ) )[الذاريات: 47] أي أغنياء قادرون، والتوسيع خلاف التضييق..] (4) ، وقال صاحب الظلال في تفسير قوله ـ تعالى ـ: (( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) ) [الأنفال: 60] فهي حدود الطاقة إلى أقصاها بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها) (5) ؛ ولذا كان المسلم بعشرة من الكفار في حال قوته، وباثنيْن منهم في حال ضعفه كما نص على ذلك قوله ـ تعالى ـ: (( إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ(65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [الأنفال: 65، 66] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت