حيث إن كثيرًا من الناس لا يجدون وقتًا لراحتهم وليس لتدينهم فحسب، نظرًا لكثرة الانشغالات الدنيوية والارتباطات العملية التي تثمر كثرة الأعباء والتكاليف التي تجعل الإنسان ينغمس فيها طلبًا للمال، مما يسبب الأكل الكثير، فالشرب الكثير، فالنوم الكثير، فالالتهاء الكثير، فالنسيان الكثير.
وهذا يضطرهم للتوسع الشديد في المباحات والاستكثار منها. وبالطبع كلما زادت رغبة الفرد في ملذات الدنيا أوقعته في حبائلها وأوصلته إلى الوقوع في مكروهاتها ومحرماتها.
فإذا حصل هذا تُنُوسيت الدار الآخرة، وتنوسيت أهوالها وما ينتظر الفرد منها من سؤال وجزاء ومحاسبة، وهذا بسبب الغفلة التي حصلت بالالتهاء بشهوات الدنيا وزخارفها، فيصعب على الإنسان أن يبتعد عن حياة النعيم التي حصَّلها، فإذا حصَل له بعض النقص، فقد يندفع إلى ارتكاب الموبقات للوصول إلى أغراضه، فيتجرأ على المعصية، وتتلوها معاصٍ، فيحاط قلبه بالران: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ، ويتعثر في الرجوع إلى نفسه ونهيها عن غيها، ويصعب عليه الإقلاع والابتعاد عما أوقع نفسه فيه، فينتقل الأمر من الغفلة إلى التفريط التام.
فالتفريط في كل ما ذكر هو مشكلة الأمة اليوم، وهو باختصار: تفريط في جنب الله، وهو نسيان الدار الآخرة والجزاء والحساب والموقف.
فقد أصبح كثير من المسلمين لا يفكرون إلا في الدنيا وشهواتها: تزينت لهم وأغوتهم بغوايتها حتى نسوا الذكر ونسوا الهدف من وجودهم، مع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد حذر منها في قوله: «واللهِ ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسَط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» (1) .
وروى في بيانها أبو أمامة الباهلي قال: لما بُعِثَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أتت إبليسَ جنودُه فقالوا: قد بُعث نبي وأُخرجت أمة، قال: يحبون الدنيا؟ قالوا: نعم! قال: لئن كانوا يحبون الدنيا ما أبالي ألا يعبدوا الأوثان، وإنما أغدو عليهم وأروح بثلاث: أخذ المال من غير حقه، وإنفاقه في غير حقه، وإمساكه عن حقه، والشر كله من هذا نبع» (2) .
وروي عن عيسى ـ عليه السلام ـ أنه رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء، عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجتِ؟ قالت: لا أحفظهم، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقوك؟ قالت: بل كلهم قتلتُ، فقال عيسى ـ عليه السلام ـ: بؤسًا لأزواجك الباقين! كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم واحدًا بعد واحد ولا يكونون على حذر؟» (3) .
لهذا قيل في شأنها: «الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، وإذا جلت أوجلت، وإذا دنت أودنت» (4) وصدق الله العظيم حين قال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد: 20] .