فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 780

وقد بوَّب البخاري ـ رحمه الله ـ أحد أبواب صحيحه في كتاب الإيمان، فقال: «باب: من الدين الفرار من الفتن» (4) .

وما أكثر الفتن في زمننا؛ حيث المؤمن فيه يقبض على دينه ويصبر على فتنه «كالقابض على الجمر» (5) .

مفتون أينما حل وارتحل، ولعل من أخطر الفتن التي تُحدِق بالمسلم فتنة الأموال وفتنة الأولاد وهو ما أكده القرآن بقوله: {إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] .

بل إن الرسول الحبيب -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أن الأمة ستعيش فتنًا يشيب لها الولدان؛ حيث قال: «ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تتشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليَعُذْ به» (1) .

ولكن الواقع يشهد أن الأمة أصبحت تعيش تناقضًا مع لغة القرآن ومع فهم مفرداته، فأصبح السير إلى الدنيا سريعًا، وإلى الآخرة وئيدًا، والفرار من الله بدل الفرار إليه.

فهل إلى رجوع من سبيل! وهل إلى توبة لتصحيح المسار وتصحيح الخطوات إن شئنا النجاة وتحقيق الفوز والدرجات في الدنيا والدين!

2 ـ عدم الفقه السديد في الدين، وهو أصل كل بلية:

في اعتقاد بعض الناس أنهم إذا أدوا بعض أشكال التدين فقد نجوا وسَلِموا؛ وهذا فهم تجزيئي للإسلام؛ حيث يقتصر بعض الناس في تدينهم على بعض الأمور ويترك الأمور الأخرى، وهذا يؤدي أيضًا إلى التفريط والغفلة؛ فالدين شامل كامل لقول الله ـ تعالى ـ: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .

فليس الدين في العبادات فقط، أو في المعاملات، أو في السلوك والأخلاق، أو في الأعمال الاجتماعية، أو السياسية أو الاقتصادية، بل يشمل كل هذا.

ومع الأسف أن هذا ما حصل للكثير من الناس، حيث جزَّؤوا الدين، وأخذ كل واحد منهم ما يعتقد أنه الصواب والصالح له؛ فمنهم من فهم حديثًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهمًا سيئًا وبنى عليه حياته ومصيره، كفهمهم لحديث السائل عن الإسلام، والذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجيبًا لرجل من أهل نجد جاء ثائر الرأس يُسمَع دوي صوته ولا يُفقَه ما يقول: «خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطوَّع، قال رسول الله: وصيام رمضان، فقال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطَّوَّع، قال: وإخراج الزكاة، قال: وهل عليَّ غيرها؟ قال: لا؛ إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلح إن صدق» (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت