وأمر الله ـ سبحانه ـ الملائكة الكرام بتثبيت أهل الإيمان، فقال ـ سبحانه ـ: {إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] .
إن الثبات على دين الله دليل على سلامة المنهج، وداعية إلى الثقة به، كما أن الثبات على الدين ضريبة النصر والتمكين والطريق الموصلة إلى المجد والرفعة.
والثبات طريق لتحقيق الأهداف العظيمة، والغايات النبيلة؛ فالإنسان الراغب في تعبيد الناس لرب العالمين، والعامل على رفعة دينه وإعلاء رايته لا غنى له عن الثبات.
إن الثبات يعني الاستقامة على الهدى، والتمسك بالتقى، وقسر النفس على سلوك طريق الحق والخير، والبعد عن الذنوب والمعاصي وصوارف الهوى والشيطان. إن مما يعين على الثبات أمام الفتن والابتلاءات صحة الإيمان وصلابة الدين؛ فكلما كان الإنسان قويًا في إيمانه، صلبًا في دينه، صادقًا مع ربه، كلما ازداد ثباته، وقويت عزيمته وثبتت حجته، قال - تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَ} [إبراهيم: 27] ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» (1) .
كما أن الدعاء والافتقار إلى الله ـ عز وجل ـ والاستكانة له من أقوى الأسباب لدفع المكروه وحصول المطلوب، وهو من أقوى الأسباب على الثبات إذا أخلص الداعي في دعائه؛ وحسبك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو ربه ويسأله الثبات، فيقول: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» (2) .
وفي حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو فيقول: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ. اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا ومنيبًا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي» (3) .
كما أن اليقين والرضى بقضاء الله وقدره من أعظم الأسباب المعينة على الثبات. قال علقمة بن قيس في تفسير قوله - تعالى: { وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11] قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين» ، وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد». وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله» .