فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 780

إن الإيمان له قوته الإيجابية التي تعمل على تنمية المشاعر وتنقيتها، وأن القوة الإيمانية تترك بصماتها على الفرد والجماعة، وعلى سائر اتجاهات السلوك الإنساني، ومتى صح الإيمان ورسخت حلاوته في قلب المؤمن رزقه الله الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وكلما كان قويًا في إيمانه، صلبًا في دينه، صادقًا مع ربه، كلما ازداد ثباته، وقويت عزيمته. قال - تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } [الأحزاب: 23] ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» (8) .

2 -تدبر القرآن والعمل به:

إن من حق القرآن علىنا أن نتدبر معانيه، وأن نفهم مقاصده؛ ذلك أن القرآن هو كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله الباقية، ونعمته السابغة، وحكمته الدامغة، وهو ينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- لنقرأه تدبرًا، ونتأمله تبصرًا، ونسعد به تذكرًا، ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه، وعلمًا تزداد البصائر فيه تأملًا فيزيدها هداية وثباتًا وتبصرًا. قال - تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] ، وقال - تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29] .

لقد أنزل الله القرآن ليكون بشيرًا ونذيرًا، وهاديًا إلى ما ارتضى له من دينه، وسلطانًا أوضح به وجهة دينه، ودليلًا على وحدانيته، ومرشدًا إلى معرفة عزته وجبروته، ومفصحًا عن صفات جلاله وعلو شأنه وعظيم سلطانه، وحجة لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله به، عَلَمًا على صدقه، وبيِّنة على أنه أمينه على وحيه والصادع بأمره، فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، بيَّن فيه ـ سبحانه ـ أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة تتلوها، والقرآن الكريم وسيلة التثبيت الأولى للمؤمنين، ولقد أنزل الله القرآن العظيم منجَّمًا مفصلًا، وجعل الغاية منه هي التثبيت لقلب النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال - تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } [الفرقان: 32] .

إن القرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله، كما أنه العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوِّم الأوضاع التي من حوله، تقييمًا صحيحًا، كما أن القرآن بما اشتمل عليه من أحكام وأصول وقواعد وحكم وقصص، يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين ومن سار على دربهم.

فإن عُلم ذلك كله لزم على من أراد الثبات في الدنيا والآخرة، والفوز بالنعيم المقيم، أن يتخذ القرآن سميره وأنيسه، وأن يجعله رفيقه وجليسه على مر الليالي، وتتابع الأيام، فلا يقتصر على النظر فيه، بل يحمل نفسه على العمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت