لماذا لم يقل للنّارِ كما قالَ لنارِ إبراهيمَ ـ عليهِ السّلام ـ: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبْرَاهِيمَ } [الأنبياء: 69] ؟! أو يُرسلَ جُندًا من جنوده؛ ليُهلِكوا الظّالمين، ويجعلوهم عبرةً للمعتبرين؟!
وللإجابة عن هذه الأسئلة يُقالُ ما يلي:
أولًا: إنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يُسالُ عمَّا يَفْعَلُ، والخلقُ يُسألون.
ثانيًا: إنَّ المؤمن ليعتقد في قلبه أنَّ ربّهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ حكيمٌ حكمةً مطلقةً، والخيرُ كلُّ الخير في يديه، والشّرُّ كلُّ الشرِّ ليس إليه.
وكم هيَ المظاهرُ التي كُنَّا نحسبها شرًّا فبعثَ الله فيها من الخيرِ ما لم يكُن في الحُسبان، وما لم يخطُر في خَلَدِ الإنسان.
ثالثًا: إنَّهُ ليجب علينا أن نستحضرَ حديثَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له» . أخرجه مسلم.
فاختيارُ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أرحمُ وأسعدُ للعبدِ المؤمن، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] .
رابعًا: ينبغي لنا أن نُحرّر مفهوم النّصر بمعناه الشّاملِ، ودلالتِه في الميزانِ الرَّباني، لا في ميزانِ البشر.
فلم يكن معنى النّصر في الشرع قطّ هو الغلبةُ على الأعداءِ في كلِّ معركة تدورُ بينهم، بل الحربُ سِجالٌ، والعاقبةُ للمتقين.
ولم يكُن معنى النّصر كذلك هو السّلامة من كلّ أذىً وألمٍ ومُصيبة.
وما زالَ في ذاكرتنا حديثُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- حينما سُئل: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ فقال: «الأنْبِيَاءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» ، أخرجه أحمد والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.
وليسَ معنى النّصرِ دائمًا هو أن تقرّ عينُ المرءِ وهو يرى النّاس يدخلونَ في دينِ الله أفواجًا.
وينظرُ إلى التّائبينَ وهم يسألونَ الدُّعاةَ توجيهًا وعِلاجًا.
وقد حدّثنا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه البخاري ومسلم عن بعضِ الأنبياء، أنَّهُ يأتي يوم القيامة ولم يُؤمن به أحد (1) .
ولم يكُن ـ أيضًا ـ معنى النّصر هو البقاءُ طويلًا في الحياةِ حتّى يرى الإنسان ثمرات بذله وعطائه ودعوته. وكم هي المُبشّراتُ والفتوحاتُ التي أشارَ إليها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ولم تقع إلاّ بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-. هذا كلّه مع مَنْ بذلَ أسبابَ النّصرِ والتمكين، وكانَ على الجادّة التي رسمها الله له.
إنَّ نصرَ الله ـ تعالى ـ لأوليائه ليسَ صورةً واحدةً أو مثالًا فريدًا، بل هو أوسعُ وأشملُ ممّا نتصوّرهُ في كثيرٍ من الأحايين.