فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 780

يقول العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ في معنى الآية: أي يخبر الله ـ تعالى ـ أنه خلق آدم من أصل واحد وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله ـ تعالى ـ بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، وفرّقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل صغارًا وكبارًا؛ وذلك لأجل أن يتعارفوا؛ فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها؛ مما يتوقف على التعارف ولحوق الأنساب (2) ، وبهذا تتضح أهمية التعارف البنّاء المثمر الذي يترتب عليه النفع في الدنيا والآخرة، ويجب أن يتسابق في مضماره الدعاة، جاعلين رسولهم إلى من يودون التعرف عليهم البسمة الصادقة، والاتصال الحار، ونحو ذلك من مفاتيح القلوب.

2 ـ الهدية:

وهي السحر الحلال الذي يفتح الباب المصمت، ويسل سخيمة القلب، ويذهب وَحَر الصدر، ويزرع الحُب الجمّ، وما أجمل قول الشاعر:

إن الهدية حلوة كالسحر تجتلب القلوبا

تدني البغيض من الهوى حتى تصيّره قريبا

وتعيد مضطغن العدا وة بعد نفرته حبيبا (3)

وأجمل من ذلك وأعظم قول الرسول -صلى الله عليه وسلم - في رواية أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «تهادوا تحابوا» (1) ومما يزيد من أهمية الهدية أن أولي النُّهى يدركون الأثر العظيم الذي تحدثه الهدية، كما بيّن القرآن الكريم في قصة ملكة سبأ، كما قال ـ تعالى ـ على لسانها: {وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] ، قال قتادة: رحمها الله، ورضي عنها ما كان أعقلها في إسلامها، وفي شركها؛ علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس (2) . إن هذا الأثر العظيم للهدية لا يزال في حيز التنظير في واقع كثير من الدعاة، ولما يخرج بعد إلى حيز الممارسة، والتطبيق بشكل مثمر؛ فليحرص الدعاة على هذا المنهل العذب، والمورد الزلال الذي يتسلل إلى القلوب، فيعمرها بالحب بإذن الله.

3 ـ الحقوق الشرعية المتبادلة:

وهي منظومة من الحقوق الواجبة للمسلم على المسلم، أو المندوبة بينهم، سردها -صلى الله عليه وسلم - في رواية أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلّمْ عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعُدْهُ، وإذا مات فاتبعه» (3) . إن هذه الحقوق العظيمة، والآداب الرائعة التي تبدأ بالسلام من أول لقاء في هذه الحياة، وتنتهي بالوداع الذي لا لقاء بعده إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت